آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

«26» الايديولوجيا والدين

الدكتور توفيق السيف *

بالعودة الى الايديولوجيا، قرأت لك مقالا يشير الى ”ايديولوجيا دينية“. فما الفرق بين الدين والايديولوجيا الدينية، وهل يمكن - في الاساس - أدلجة الدين؟.

دعني أولا اشرح معنى الايديولوجيا، ثم اعود الى الوصف الديني لها. الايديولوجيا في تعريف مبسط منظومة من المستخلصات الذهنية عن وقائع أو تحديد لمعنى العلاقة بين وقائع، جرى تجريدها واعلاء قيمتها فتحولت الى معيار منسجم، تقاس عليه الأشياء، أو منظار ينظر من خلاله الى المحيط والاشياء والافكار من أجل فهمها أو تحديد قيمتها. فهي اذن اداة فهم للعالم، وأداة تحديد لموقف حاملها، وأداة تقييم للعلاقة بينه وبين ما يحيط به.

السمة الرئيسية للايديولوجيا إذن انها مجموع منظم ومتماسك من حيث التأسيس المنطقي والعاطفي. وان وظيفتها الرئيسية هي توجيه الذهن في تفسير العالم ومنحه قيمة.

رغم النقد الكثير الذي وجه للايديولوجيا، سيما باعتبارها نوعا من الوعي الزائف، أو نوعا من الحجاب الذي يحول بين العقل ورؤية الواقع كما هو، الا ان أحدا لم يقل بامكانية الاستغناء عنها. ذلك انها - كما في الفلسفة الكانتية - ضرورية للعيش في عالم سمته الابرز التحول والتغير المستمر. وهي عند هيغل وتلاميذه وسيلة لرؤية الحكمة أو العوامل المحركة وراء الظواهر والحوادث التي توهم الانسان احيانا بانها حقيقة كاملة وليست مجرد تمظهر لعوامل وراء القشرة الخارجية.

لا يستطيع احد فهم ذاته وفهم العالم من دون منظومة مسلمات، يتبناها بناء على براهين علمية، تتجاور - شئنا ام ابينا - مع قناعات ميتافيزيقية، أي مفاهيم وقيم نؤمن بها لاننا نريد ذلك، وليس بالضرورة لأننا توصلنا اليها بدليل علمي. وهذا بالتحديد هو ما يجعل رؤية الانسان، أي انسان، قاصرة، أي مرحلية وقابلة للتطور والتكامل بالتدريج. وهذا ما يجعلنا نقول دائما ان الأحكام التي يتوصل اليها الأفراد تبقى رأيا لهم وليست حكما نهائيا، هذا إذن ما يجعل العلم متواصلا ومفتوح الأبواب. لو اعتبرنا رأي شخص أو مجموعة اشخاص حكما نهائيا، فقد حكمنا بنهاية العلم وإغلاق بابه.

نعود الآن الى الوصف الديني للايديولوجيا. حيث يواجهنا السؤال الأول البديهي: هل نعتبر الدين ايديولوجيا ام لا. وجوابي ان الدين في جوهره أي الايمان بالله، يمثل رؤية كونية عامة تستغرق كامل حياة البشر وعلاقتهم بما في الكون من مخلوقات، من الأحياء والجمادات. الرؤية الكونية ارفع من الايديولوجيا.

السؤال الثاني: هل يمكن الحديث عن ”ايديولوجيا دينية“؟. الجواب نعم. لكن يجب الانتباه الى الفارق بينها وبين الدين في مفهومه المجرد. نحن نعتبر الدين فطرة الله ومنهجه ورسالته، فهو يعبر عن رؤية متعالية. اما الايديولوجيا الدينية فهي منتج بشري، أي منظومة تفسيرات وقيم يتبناها حزب أو جماعة ويدعون الناس اليها أو يستعملونها كأداة تفسير وتوجيه للعلاقة بينهم وبين غيرهم. يمكن لنا ايضا ان نتحدث عن ”ايديولوجيات دينية“ عديدة، تتفاوت فيما بينها من حيث السعة والاستيعاب. ثمة ايديولوجيات دينية تتمحور حول الحياة السياسية، واخرى حول النظام الاجتماعي، انها - بعبارة اخرى - أقرب الى مناهج العمل التي تضعها الاحزاب والجماعات كدليل لعلمها وتحديد لمواقفها.

هل نعتبر ”الايديولوجيا الدينية“ نوعا من احتكار الدين؟

الاحتكار مجرد استعمال سياسي للافكار. وقد يتعلق بفرض ايديولوجيا محددة على الناس، أو يتعلق بفرض فهم ديني غير مكتمل أو غير معياري. من المقبول ان يتبنى الافراد أو الجماعات ايديولوجيا أو اجتهادات محددة، وهذا لا يعتبر احتكارا طالما لم يفرضوه على غيرهم بوسائل الجبر المادي أو المعنوي. يقوم الاحتكار على ارضية التملك. نعلم ان الدين لله انزله لجميع خلقه، من آمن به ومن لم يؤمن. وهو غير قابل للتملك، لأن التملك ينطوي على ادعاء مقام الالوهية أو النيابة عن الله أو تمثيله بين الخلق، وهذه كلها غير مقبولة ومتعارضة مع جوهر الدين والايمان، جل ربنا وتعالى عن هذه الدعاوى.

لكنك سترى دائما من يرون انفسهم وكلاء على الخلق، ومن يرون انفسهم احرص من رب العباد على عباده. فيصنفون الناس الى قريب من الله وبعيد عنه، وهم بالطبع يضعون انفسهم دائما في مركز الدائرة، فمن اقترب منهم اعتبروه قريبا من الله، ومن ابتعد عنهم اعتبروه عدوا لله أو بعيدا عنه. نعلم ان هذه الدعاوى السخيفة لا قيمة لها، فربنا سبحانه اقرب الينا من كل أحد من عباده. نحن لا نحتاج للاقتراب من ربنا الى اكثر من ذكر اسمه والتوجه اليه بعقولنا وقلوبنا، لا نحتاج الى مسافة ولا مساحة ولا دائرة ولا الى أحد من العباد.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.