آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 10:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

«27» بدعة التأصيل

الدكتور توفيق السيف *

يتحدث توفيق السيف بكلام صادم للعقل الجمعي التقليدي شيعيا كان أو سنيا، هل ترى التصادم وتسمية الأشياء بأسمائها ضرورة اليوم لإيقاظ أمتنا من سباتها؟

التراث الاسلامي، الشيعي والسني وغيره، هو اقرب ما يكون إلى ثقافة اجتماعية، فيها شيء من العلم والفكر، لكن معظمها نتاج للتجربة التاريخية للمجتمعات، فهي تبرير للمصالح أو التحولات أو الحاجات أو الهموم أو دفاع عن الذات. كثير من عناصر هذه الثقافة تشكل في رحم المعاناة، ولهذا فهي صورة عن البشر الذين يحملونها في كل حقبة زمنية. التراث الاسلامي ككل، وفي جميع المذاهب دون استثناء، متخلف عن العصر وحاجاته وتحدياته، وما يموج فيه من تيارات وتحولات. ونحن بحاجة الى وضع النقاط على الحروف، كي يلتفت الناس الى جوهر مشكلتهم، أي العجز عن التفاعل مع العصر الذي يعيشونه. وظيفة المثقف ليس تبرير الواقع بل نقده، وتحريض الجمهور على البحث عن الغيب الذي تخبئه الأيام. يبدأ التخلف في اللحظة التي يقرر الناس انه ليس في الإمكان أبدع مما كان. ومهمة المثقف هي دحض هذه الرؤية السكونية.

تحدث آخرون عن ”التأصيل“ كمنهج لاصلاح علاقة المسلم بالتراث الاسلامي، أو اعادة الربط بين التراث والعصر. لكني اجدك غير متعاطف مع هذه المقاربة. تقول مثلا ان فكرة الأصالة يعاد انتاجها في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر من عمق التراث. في الوقت نفسه لا تبدو متعاطفا مع فكرة الانقطاع عن التراث، وقلت في وقت سابق أن الكلام عن التخلص من إرثنا الثقافي يشبه دعوة الناس الى مسح ذاكرتهم. هل من سبيل للخروج من هذا المأزق؟

أود الاستشهاد بمقولة هيجل، الفيلسوف الالماني، حول الوعي بالتاريخ، وخلاصتها ان الفرد الواعي هو الذي يعي تاثير تجربته التاريخية على تفكيره الحاضر، أي القادر في لحظة من اللحظات على النظر الى تراثه التاريخي كشيء قابل للانفصال عن عقله. هذا سيمكنه من تحرير عقله من ضغط الاحكام المسبقة. في ظني ان كل فرد قادر على ان ينفصل عن تراثه حين يفكر في موضوع معاصر. لكنه يحتاج الى وعي بكيفية تاثير التراث التاريخي على العقل، ويحتاج الى ارادة قوية للانفصال عنه. نحن اذن لا نحتاج الى مسح ذاكرتنا، بل الى الوعي بتاثير هذه الذاكرة على تفكيرنا في قضايا اليوم، والانفصال عنها حيثما كان الانفصال ضروريا للتوصل الى فهم موضوعي ومحايد للاسئلة التي تواجهنا.

فكرة الاصالة الشائعة في بلدنا تعبر في ظني عن رؤية كسيحة، ترتاب في قدرة الجماعة الانسانية على صياغة ذاتها وزمنها. وترتاب في قدرة العقل الجمعي على اكتشاف مصالح الجماعة وصياغة القيم والمفاهيم المناسبة لتبرير تلك المصالح. ولهذا فهي تشدد على العودة الى مبررات ومفاهيم صاغها الماضون. الذين يتحدثون عن ”الاصالة“ يربطون - عن غير قصد - بين قيمة الفكرة وزوال موضوعها. حين يتحدثون في السياسة أو الاخلاق أو السلوك اليومي مثلا، يستذكرون عصر الخلافة الاسلامية باعتباره الزمن المعياري للصحة والخطأ. وحين يتحدثون عن الادب يستذكرون العصر الجاهلي. وحين يتحدثون عن العلوم النظرية والتجريبية يستذكرون العصر العباسي. لقد استفدنا من التجربة السياسية والاخلاقية والادبية والعلمية في تلك العصور. لكني لا ارى مبررا لاعتبار تلك التجارب معيارية تقاس عليها كل تجربة اخرى.

لا اشك ان انسان هذا العصر اقدر من اسلافه الذين عاشوا في العصور الماضية، على ابداع حلول اكمل. لانه يعرف تجربة أولئك وتجارب من جاء بعدهم، اضافة الى ما يستخلصه من تجربته الخاصة. مجموع هذه المعارف تفوق كثيرا ما توفر للاسلاف. نحن نرجع الى تجربة الاسلاف للحصول على مزيد من العلم، وليس لأن تلك التجربة تشكل حدودا نهائية للقيمة. القيم الاساسية مثل العدل والحرية والنظام، ثابتة وموضوعية، ولا تختلف في عصر عن عصر آخر. اما معايير التطبيق والعمل، فينبغي ان تتناسب مع الزمن وحاجات الانسان الذي يعيش فيه. ولا فضل لاهل زمن على غيرهم في هذه الناحية. ولهذا فمن خطل الرأي ان نحول الماضين الى مرجع قسري أو حصري، أو حتى مقدم على المعاصرين.

نريد التوقف اكثر عند مسألة ”التأصيل“. فالذين يطرحونها، يجادلون بانها وسيلة لاستعادة توازن العقل المسلم، حين يفكر في الغرب وعلاقته به. كما يجادلون بانها ليست نكوصا الى التاريخ، كما يبدو من كلامك السابق.

صدقت. هي بالفعل واحدة من ارتدادات الجدل حول تأثير الغرب. ويرجع النقاش حولها الى شعور فريق من المسلمين بان التفاعل الثقافي والعلمي مع العالم الخارجي «الغربي على وجه الخصوص» يؤدي بالتدريج الى تفكيك منظومات التقاليد والقيم التي يستند اليها نظام العلاقات الداخلية في المجتمع المحلي.

لكل نظام اجتماعي قاعدة فلسفية وثقافية يراها اصحابها مسلمات، ومصدرا لمعايير العمل والسلوك والتطلعات والاهداف. لا جدال في ان الاساس الفلسفي الذي يقوم عليه النظام المعرفي والاجتماعي في العالم الغربي، مختلف الى حد بعيد عن نظيره السائد في المجتمعات العربية والمسلمة. ولهذا فان التفاعل الثقافي والحضاري مع الغرب، يحمل في طياته قلقا من احتمال انبهار الطرف الاضعف بالاقوى، ثم هيمنة هذا على ذاك. هذا بالطبع قلق مشروع، لكنه يحمل في طياته بعدا ايديولوجيا. فهو مؤسس على قاعدة التفارق وانعدام الخيارات. طبقا لهذا التوجه فانك مضطر الى واحد من خيارين: اما ان تكون مستقلا، وهذا لا يتحقق الا برفض المفارق والمختلف، واما ان تكون تابعا، وهذا يؤدي بالضرورة الى انقلاعك من تراثك وخصوصياتك. وارى ان القول بانعدام الخيارات، أو الاضطرار الى واحد من متعارضين، قول غير صحيح.

بعيدا عن العامل الخارجي، هل يمكن اعتبار ”التأصيل“ مقاربة مناسبة في التعامل مع تراث المسلمين الثقافي؟.

يمكن معالجة الدعوة الى الاصالة أو التاصيل من ثلاث زوايا متباينة، كل منها يشير الى غرض محدد، ويتبناها فريق محدد في المجتمع العربي:

أ‌» التاصيل بمعنى اعادة الشيء الى اصل موجود بالفعل أو يفترض وجوده. وابرز الامثلة على هذه المقاربة هي الدعوة الى ارجاع التفسيرات والنظريات ومناهج العمل في العلوم الانسانية خاصة، الى معايير وقيم موجودة بالفعل في الشريعة الاسلامية. في هذه الحالة يوافق الداعون على نقل العلوم التي تطورت في الغرب، لكنهم ينتقون منها ما يرونه مناسبا فقط. وينصرف هذا الى معنيين هما: 1» تجنب ما يخالف تعاليم الشريعة، و2» نزع الصبغة الاجنبية عن الفكرة المستوردة والباسها لونا محليا. هذه الدعوة تقود بالضرورة الى القبول باستهلاك المنتج المعرفي الاجنبي، لكنها تنزع عنه الثوب الذي يشير الى المفارقة. انه اشبه بالباس سيدة اجنبية عباءة عربية، كي لا تبدو غريبة بين الناس.

ب‌» التاصيل بمعنى الاستفادة من مناهج العلوم التي تطورت في الغرب للبحث عن حلول في التراث الاسلامي، سواء في النصوص أو التجربة التاريخية. ومثاله الابرز هو الاهتمام المتزايد بالطب العربي، ويندرج تحت هذا العنوان ايضا ما يعرف بالمصرفية الاسلامية. هذا المستوى من المعالجة ارقى نسبيا من الاول، لانه يهتم بانتاح العلم في الدرجة الاولى، وليس باستهلاكه، كما في الحالة السابقة. لا تنطلق هذه الدعوة من انكار فائدة العلوم الاجنبية ولا الخوف منها، بل من منطلق اننا قادرون على ابداع الحلول التي نحتاجها من تراثنا الخاص، ولا ضير من الاستعانة بالادوات العلمية التي طورها الاخرون. لكن هذا الاتجاه لا يهتم كثيرا بفلسفة العمل، بل يركز على التفاصيل. واظن ان فائدته محصورة في التقنيات أو الحلول وليس انتاج أو اعادة انتاج العلم.

ت‌» التاصيل بمعنى التوطين أو التبيئة. وخلاصته ان التفاعل العلمي والحضاري مع الغرب لا ينطوي على محظورات، وان التباين في القوة والتقدم لا يبرر القلق. التفاعل هنا يستهدف التعلم، ثم اعادة انتاج العلم في الاطار المعرفي والاخلاقي الخاص بالمسلمين. وهذه هي الخطوة الاولى للتحول من مستهلك لمعارف الاخرين الى شريك في انتاج المعرفة الانسانية. انتاج المعرفة ضمن الاطار الاجتماعي للمسلمين سيجلعها بالضرورة متصلة بقضاياهم وحاجاتهم ومعبرة عن روحهم الخاصة.

في اعتقادي ان المعنى الاخير هو المسار الضروري. اما الاول والثاني ففائدتهما قليلة. وقد لاحظت ان معظم المهتمين بهما يصرفون جهدا في التفاخر بأن أسلافنا سبقوا الغرب، وان عندنا ما ينافس الذي عند الغرب.. الخ. وفي رايي ان هذا النوع من التفكير يفيد في الصراع والتعبئة الشعبية، لكنه لا يساعد كثيرا في تعزيز الحياة العلمية أو تطوير الانتاج العلمي في مجتمعاتنا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو أحمد
[ القطيف العزيزة ]: 6 / 3 / 2016م - 9:00 ص
في تصوري أن الفكرة التي يحاول الدكتور إيصالها من خلال التقسيمات والمنهجة هي فكرة متفق عليها، ولا يوجد اختلاف عليها..

هل يوجد في مجتمعاتنا من يرفض المشاركة في صناعة العلم والتكنولوجيا..

ألم يتفق الجميع على الإشادة بالإنجازات العلمية الأخيرة لأبناء مجتمعنا وحصول أحد أبناء المجتمع على جائزة نوبل..

هل وجدنا من يعارض ذلك..

ما يتحسس منه المجتمع واقعاً ليس المشاركة في صناعة العلم بل استغلال الجوانب العلمية أو الأعمال الخيرية لتمرير ثقافات مخالفة لتعاليم الدين وخصوصاً في جانب الحياء والعفة..
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.