آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 5:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«30» هل نتوقع نهضة جديدة؟

الدكتور توفيق السيف *

تفصل ما بين التراث والدين. ولكن واقع حال ثقافتنا اليوم يمحو ذلك الخط الفاصل ما بين التراث والدين. فما هو تراث وثقافة اجتماعية صار دينا لا يمكن مقاربة حدوده الشائكة، فقد اختلطت الأصول بالحواشي، وعملية الفصل تبدو مستحيلة في ظل المناخ الثقافي الذي نعيش فيه.. هل توافقني على ذلك؟

يميل الناس في العادة الى البحث عن تبرير لما يريديون وما يفعلون، كي يرضوا ضمائرهم، وكي يحققوا الانسجام بين ما يدّعونه وما يفعلونه. وتجري هذه العملية بصورة عفوية تماما. عملية اضفاء المعنى على الفعل تجري في غفلة. كمثال على ذلك فان غالبية الناس في بلادنا - وهم جميعا مؤمنون - ينظرون الى سائقيهم وخدمهم وعمالهم الاجانب كطبقة ادنى منهم، ويعاملونهم على هذا الاساس، مع انهم جميعا يقرأون تعليمات الدين الحنيف التي تؤكد على تساويهم معهم. المثال الاخر في مكانة النساء التي تشير اليها الاية المباركة ﴿المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وهي صريحة في أهلية النساء وحقهن في تولي المناصب السيادية في الدولة والمجتمع، أو ما يسمى في الفقه بالولايات، وان لهن من حرية الاختيار ما للرجال سواء بسواء. لكننا مع ذلك اعطينا الولاية وحق الاختيار للرجل، وحصرنا دور المراة في السمع والطاعة. في كلا المثالين اتينا باعراف أو تقاليد اجتماعية والبسناها رداء الدين، لاننا نريدها من جهة، ولاننا - من جهة اخرى - نريد ان يكون عملنا مبررا ومقبولا.

بالمناسبة فاني لا ارى ضيرا في هذه العملية، أي الباس الاعراف والتقاليد والمصالح عباءة الدين. بل اظنها عملية طبيعية، ستجري سواء احببناها ام كرهناها، وسواء اعترفنا بها أو انكرناها. لان الانسان يميل بطبعه الى البحث عن معنى لما يفعل. هذا المعنى هو قيمة مسبقة يؤمن بها كمعيار للحسن والقبيح. من دون هذا المعنى يشعر الانسان بغربة ما يفعل. وهو لا يفعل الاشياء الغريبة اذا كان مختارا.

ان كثيرا مما نصفه بالحسن أو القبيح هو اشياء نرغب فيها أو نبغضها، وقد لا تكون حسنة في الواقع أو قبيحة في الواقع. وفي هذا النطاق بالذات نجد اشخاصا يفعلون اشياء متباينة، يراها بعضهم حسنة ويراها الاخرون قبيحة، ولكل منهم تبريرات، هي القيم التي تلقي على الفعل المعنى المراد. اختيار هذه القيمة أو تلك عملية فردية تختلف من فرد الى اخر أو من مجتمع الى آخر. كمثال على ذلك فان تعدد الزوجات يعتبر في بلادنا عملا عاديا، أو مرغوبا، بل يعتبر احيانا من علامات الوجاهة والثراء، بينما يعتبر في ايران وتركيا مثلا من الاعمال القبيحة، ومن النادر جدا ان تجد وجيها أو شخصا معروفا يتزوج باخرى، لانه في الغالب سيفقد احترامه بين انداده من رجال النخبة.

خلاصة القول ان تداخل الاعراف والمصالح والتقاليد مع القيم الدينية، هو امر اعتيادي، ولا ينبغي ان يثير القلق. لكن المشكلة تكمن في تناسي الناس للخط الفاصل بين ما هو دين، وما هو تقاليد البست رداء الدين. التقاليد بطبعها مرتبطة بالزمان والمكان ونظام المصالح الذي تولدت في اطاره، ولهذا لا يصح تجريدها من تلك القيود وتعميمها كما لو كانت دينا. نعرف طبعا ان مبررات الالتزام بالدين موجودة في داخله، اما مبررات الالتزام بالتقاليد فهي موجودة في خارجها، أي في المكان والزمان ونظام المصالح الذي أوجدها.

يشغلك سؤال النهضة إلى حد كبير، وترى أننا متخلفون اقتصاديا وثقافيا وعلميا واجتماعيا. هل تلمح في عالمنا العربي بداية إرهاصات، قد يتوالد من رحمها ما أسميته في كتابك الجميل ”الحداثة ضرورة دينية“ روحية النهضة؟.

منذ أواخر القرن التاسع عشر كانت هناك ارهاصات نهضة ومحاولات نهوض. المحاولات الاولى ركزت على تحديث الثقافة، وفي منتصف القرن العشرين تركزت المحاولات على تحديث السياسة، وفي الربع الاخير من القرن العشرين تحول التركيز الى الاقتصاد. وقد جنينا من جميع تلك المحاولات خيرا كثيرا. لولاها لكنا نعيش اليوم ظرفا يشبه ظرف افغانستان مثلا.

من المتفق عليه في بحوث التنمية ان كل مسار تنموي يؤدي الى تحريك المسارات الاخرى. فالنهوض الثقافي يؤدي الى نهوض اقتصادي وسياسي، وهذا يقود الى ذاك. المشكلة الكبرى في حياة المجتمع العربي هي عدم الاستمرار. كنا دائما نتوقف في منتصف الطريق. فلو واصلنا تحديث الثقافة لاصبحنا اليوم منتجين للعلم والتقنية ننافس بقية العالم. ولو واصلنا تحديث السياسة لاسترحنا من كثير من الازمات الاجتماعية التي نعرفها اليوم. واذا واصلنا تحديث الاقتصاد فسوف نتخلص من معضلة الفقر التي تهدد السلام الاجتماعي في كل اقطارنا. من المهم ايضا ان نفكر في التحديث الشامل والمخطط، بدل ان نفاجأ بالتحولات التي هي انعكاس للنهوض في مجالات اخرى، كما هو الحال في تفاقم ظاهرة العنف، التي هي - جزئيا على الاقل - انعكاس لتحديث الاقتصاد في سياق منفرد.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.