آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 9:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

«31» المرأة والنهضة

الدكتور توفيق السيف *

أين المرأة من سؤال النهضة؟ وما هي نظرتك الاستشرافية لوضع المرأة الاجتماعي في المملكة؟. ألا تحتاج المرأة إلى إعادة صياغة للوعي، نظرا لكونها من أشد حراس النسق قسوة وضراوة؟

في كل مجتمع هناك مراكز توتر رئيسية واخرى ثانوية. مراكز التوتر تحرك الازمات احيانا وتصنع الحلول احيانا اخرى. الوضع الاجتماعي للمرأة هو احد مراكز التوتر الرئيسية في المجتمع السعودي. هي ليست حارسة للنسق التقليدي بل ضحية له. يهمني هنا الاشارة الى ان الضحية قد ينساق احيانا في مشروع عدوه، بسبب انعدام الخيارات البديلة، مثل العامل الفلسطيني الذي يشارك في بناء مستعمرة اسرائيلية، لانه بحاجة الى خبز اليوم. الاغلبية الساحقة من النساء السعوديات يتطلعن الى الحداثة باعتبارها السبيل الوحيد لحياة لائقة. حتى اللاتي يدافعن عن التقاليد على المستوى النظري، متمسكات بالحداثة في حياتهن اليومية. ولذلك ترين الفتيات جميعا يذهبن الى المدارس، ويسعين وراء وظائف خارج البيت، ويرغبن في استعمال المنتجات التقنية للحداثة.

وخلال هذه الأيام لفت نظري كتابات للدكتورة نورة السعد، وهي من أشد المدافعات عن التقاليد والرافضات لانخراط النساء في الحياة العامة باعتبارها نوعا من التغريب. هذه السيدة بالتحديد تعمل استاذة جامعية، أي انها تخرج كل يوم للعمل ولا تبقى في البيت، وفق مفهومها الخاص للآية المباركة ”وقرن في بيوتكن“ الذي تنافح عنه. وعلمت من حسابها في موقع التواصل الاجتماعي تويتر ان ولدها يدرس في الولايات المتحدة الامريكية، رغم انها انتقدت في وقت سابق ابتعاث الشباب الى الخارج باعتباره قناة للتغريب. هذه السيدة التي تعتبر الحداثة بلاء على الدين والمسلمين، حريصة في الوقت نفسه على عدم الانفصال عن متطلبات الحياة الحديثة وانماط معيشتها، سواء في الدراسة أو العمل أو تربية الابناء. ولفت نظري ان احصائيات المبتعثين للتعليم العالي في الخارج تشير الى ان نسبة الفتيات تزيد عن 25% من المجموع الذي تجاوز 200 ألف مبتعث خلال السنوات الاربع الماضية.

من هنا استطيع القول ان الانضمام الى ركب الحداثة ليس مجرد خيار تأخذه أو تتركه، بل هو ضرورة للحياة المعاصرة. واعتقد ان الاغلبية الساحقة من النساء السعوديات يردن هذا، بمن فيهن أولئك اللاتي يشعرن بالقلق من انعكاساتها السلبية، وكذلك المدافعات عن التقاليد القديمة.

استطيع القول ان الوعي ليس مشكلة المرأة فقط. نحن امام مشكلة مجتمع بأكمله، رجالا ونساء. مجتمع يريد الحداثة ويخشى منها في الوقت نفسه. يتطلع الى التقدم لكنه غير مستعد لدفع ثمنه الثقافي والاخلاقي. واظن ان الجدل الواسع الذي يشهده المجتمع السعودي حول حقوق المراة ودورها وموقعها في النظام الاجتماعي، هو دليل على تحولها فعليا الى مركز توتر رئيسي. وجدنا خلال السنوات الاخيرة تغييرات ملموسة، مثل اقرار المجتمع بحقها في العلم، ثم في العمل، واخيرا مشاركتها في بعض اطراف الحياة العامة مثل التجارة والاعلام، واخيرا دخولها مجلس الشورى والمجالس البلدية.

واظن ان التغيير في هذا الاتجاه سوف يتواصل. وسوف يتعلم المجتمع كيف يتكيف مع هذا التحول. لكن لا بد من الاشارة الى ان التحولات الكبرى كانت ثمرة لقيام حركة نسائية واسعة، منظمة، ومتنوعة التعبيرات. الحركة النسائية في المملكة لا تزال صغيرة الحجم نسبيا، ولهذا سيمضي وقت طويل قبل ان تتحول مشاركة المرأة في الحياة العامة اعتيادية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.