آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 9:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

«32» دين الله ودين الناس

الدكتور توفيق السيف *

جوهر المشكلة في تقديرك هي قابلية نمط معين من الفهم الديني لإعاقة النهوض الحضاري. وترى في نمط التدين السائد في العالم الإسلامي معيقا للنهضة. أجد هذا الخطاب صادما للعقل الجمعي، فهو يبدو كاتهام للتدين بأنه سبب تخلفنا؟

ادعوك للتنبه الى الفارق الجوهري بين الدين وفهم الدين. الدين كما انزله رب العالمين لا جدال فيه. بل اعتقد بعمق انه طريق فسيح للنهوض والتقدم. اما التدين فهو فهم الناس لذلك الدين وتطبيقهم لأفهامهم المتباينة. وهي بطبيعة الحال قاصرة عن بلوغ مراد الخالق، ومتلونة بطبائع الناس وذهنياتهم المختلفة وثقافاتهم. ولهذا ترى مفهوم التدين في المغرب غيره في مصر أو اليمن أو المملكة أو تركيا أو ايران أو ماليزيا. هذه كلها مجتمعات مسلمة، لكن لكل منها مفهوم خاص وطريقة في التطبيق مختلفة. وورد في الحديث ”من بدا جفا“ وهو يشير الى تاثير الظرف الجغرافي أو نمط المعيشة على ذهنية الفرد وسلوكه. من هنا فان حديثنا لا يتناول الدين، بل فهم الدين وتطبيقاته. وازعم ان بعض الافهام والكثير من التطبيقات معيقة للنهضة.

من بين المعيقات الواضحة نذكر الخلط بين موضوعات الدين، التي تتعلق بها قيم وأحكام، وبين موضوعات العلم، وهي مجرد أوصاف وتفسيرات لا تتعلق بها أحكام. ومنها التصور العدواني للعلاقة بين المسلمين وسائر البشر. ومنها غياب رؤية عقلانية عن حقوق الانسان والتعدد الثقافي والاثني.. الخ.

لكن اشد العناصر اعاقة هو ذلك المتعلق بتعريف الرابطة الاجتماعية وطبيعة المجتمع. التعريف الرائج عندنا ينكر فردانية الفرد واستقلاله وكفاءته، ويركز على دور الجماعة وكونها محورا للقيمة والاعتبار. واظن ان غياب مفهوم الفردانية وانكار استقلال الفرد في ثقافتنا الدينية هو جذر للعشرات من أوجه القصور وعناصر الضعف التي عطلت احتمالات النهضة. الفردانية تعني في المقام الاول حق الاختلاف والتمايز وحرية الفكر، واحترام المبادرة الفردية، وهذه من ابرز اركان النهضة. لو تاملت في انماط التدين السائدة في معظم المجتمعات المسلمة، فسوف ينكشف لك اتفاقها جميعا في عناصر الاعاقة السابقة الذكر.

التدين حولنا في كل مكان، ومظاهر التدين صارت أكثر وضوحا في كافة أنحاء العالم الإسلامي، ولكنك تصر أن الدين فقد وظيفته الاجتماعية وأصبح شأنا فرديا، كيف يكون ذلك وهو يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الحياة في مجتمعاتنا؟

فقد الدين وظيفته الاجتماعية، لانه لم يعد ملكا لمجموع الناس. بل اصبح حكرا على طبقة خاصة تملك نوعا من السلطة. وهي تستعين بهذه السلطة في فرض مراداتها وآرائها تحت عباءة الدين. وقد تكون مجرد اجتهادات فردية أو اعرافا وتقاليد لطائفة محددة من الناس. ظهور التدين في كل مكان هو تعبير عن نفوذ الطبقة التي تحتكر الشأن الديني. وهي بالطبع قادرة على ان تصل الى كل انسان حتى داخل بيته.

لكن هذا مختلف تماما عن اندماج الدين في الحياة العامة وهدايته لها. لو سألنا اليوم أي مسلم: ماذا يريد الاسلام لمجتمع المسلمين، فسيجيبك فورا بانه يريدهم أعلى الناس شأنا، بعلمهم وقوتهم الاقتصادية واستغنائهم عن الغير ونفوذهم في نظام العلاقات الدولية. لكن لو نظرنا الى الواقع فما الذي سنراه؟. نرى الناس جميعا مؤمنين بالدين ملتزمين بشعائره، لكن جماعة المسلمين متأخرة عن كل ما يريده الإسلام، من ازدهار العلم وقوة الاقتصاد والاستغناء عن الغير والقوة السياسية. فهذا دليل بسيط على الفارق بين مراد الدين وحال جماعة المسلمين المتمسكة به. التفسير الوحيد لذلك هو ان نمط التدين السائد لا يوفر الفرصة الكافية كي تتبلور فاعلية الدين في اطار الجماعة، وتحديدا في الاتجاه الذي شرحته.

سوف استخدم مصطلحا معروفا في بحوث التنمية السياسية وهو ”الاجماع“ وهو غير الاجماع المعروف عند الفقهاء. وخلاصته ان نمو المجتمع الوطني مشروط بوجود نوع من التوافق الطوعي بين افراده على منظومة معايير تنظم العلاقة بينهم، تحدد صورة مستقبلهم، وكيفية العمل المشترك لتحقيق اهدافهم وحل خلافاتهم. هذا الاجماع غائب للاسف بسبب غياب المساواة بين افراد الجماعة المسلمة، وغياب حرية الفكر والتعبير والاختلاف، ومنع النقاش في ما يعتبره البعض مقدسات دينية أو اعرافا ضرورية. خلاصة القول ان التدين منتشر في كل مكان، لكن الاجماع غائب. يمكن للوظيفة الاجتماعية للدين ان تظهر بوضوح في اطار حركة اجتماعية من اجل التقدم، لكن هذه متوقفة على قيام ذلك الاجماع.

تقول أن لكل وقت أسئلته. أتفق معك في ذلك. لكن إذا كنا لم نجب على سؤال الأصالة والمعاصرة بعد، وهو سؤال أثير منذ اصطدامنا بالغرب وانهزام السيف أمام البارود.. وإذا كنا في زمن ما بعد الحداثة لا نزال مأزومين بثنائيات على شاكلة التراث والحداثة والخصوصية والعالمية، فكيف نستطيع الإجابة على أسئلة وقتنا؟ وما هو في تقديرك السؤال الأهم اليوم؟

يؤسفني القول ان التحديات التي نواجهها لا تسمح لنا برفاهية الاختيار. نحن نعيش في عالم تبلورت معايير القوة فيه، وأصبح الطريق الى القوة واضحا لكل عاقل. وهناك الكثير من التجارب التي يمكن لنا الرجوع اليها كي نحدد أولوياتنا، ومن بينها تجاربنا الخاصة. في ظني ان علينا انجاز ثلاث مهمات رئيسية، اذا نجحنا فيها، فسوف نشق طريقا سريعا الى القوة والتقدم:

المهمة الاولى: ترسيخ قيم حقوق الانسان، وابرزها احترام استقلالية الفرد وكفاءته وتساويه والحماية القانونية لحرياته الاساسية، وحقه في المشاركة النشطة في صناعة القرار المؤثر على حاضره ومستقبله.

المهمة الثانية: ترسيخ قيمة العلم والبحث العلمي، وتطوير نظامنا التربوي والتعليمي، كي يساهم في تشكيل بيئة محفزة لانتاج العلم.

المهمة الثالثة: توسيع قاعدة الانتاج الاقتصادي باتجاه التحرر من الارتهان لمنتج وحيد هو البترول. ونحن نملك اليوم الموارد اللازمة لتوسيع تلك القاعدة ولدينا الفرص. من امثلتها الحج والعمرة الذي لا زلنا نتعامل معه كعبء، بينما يمكن ان يشكل موردا اقتصاديا عظيما لو تعاملنا معه كفرصة. ولدينا الموارد المالية والبشرية والاسواق التي تشكل اساسا متينا لصناعة ضخمة ومتنوعة.

لقد بدأنا فعليا في اختبار تلك المهمات وظهرت لنا فوائدها، ولهذا فاننا لا نبدأ من الصفر. لكني اشدد على الحاجة الى التعامل الجاد معها، وتكريس الجهود كي نحولها من مسارات ثانوية، كما هو وضعها الراهن، الى جوهر العمل العام وغرضه الرئيس لمدة لا تقل عن عقدين من الزمن. أي ان نجعل نجاحنا كمجتمع أو فشلنا مرهونا بنجاحنا في انجاز المهمات الثلاث خلال مدة زمنية محددة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.