آخر تحديث: 26 / 8 / 2019م - 2:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«34» الحداثة

الدكتور توفيق السيف *

لاحظت في كتابك «الحداثة ضرورة دينية» أنك لا تفصل بين التحديث والحداثة، ألا ترى أننا نحتاج لهذا الفصل والتفريق بينهما لنعي أن ما حدث في عالمنا العربي هو تحديثات دون تبن للأساس المعرفي القائمة عليه وهو الحداثة؟

”الحداثة“ تيار في الفكر الانساني ظهر في القرن السابع عشر الميلادي. ويدور بمجمله حول فهم جديد لثلاثة عناصر متفاعلة: الانسان الفرد، الزمن، العلم. الانسان - عند الحداثيين - هو محور الكون وهو غايته ونهايته. كل شيء من صنع الانسان، وكل شيء له غرض محدد هو تحسين حياة الانسان. الزمن - عند الحداثيين - هو الحاضر والمستقبل. اما الماضي فهو مجرد مخزن للافكار والمعلومات يرجع اليه الانسان متعلما لا مستفتيا. اما العلم فهو المعرفة الناتجة عن الفحص والتجربة والنقد واعادة التجريب في اطار منهجي يسمح بالتفنيد والتعديل. ولا يوجد عندهم علم معصوم. وحسب تعبير الفيلسوف المعاصر كارل بوبر: كل ما ليس قابلا للنقد أو التفنيد فليس علما، بل ميتافيزيقا تقبله أو ترفضه بحسب ارادتك، بغض النظر عن دليله.

تركز دعوى الحداثة على قابلية الانسان لصياغة ظرفه الحياتي، وتطوير بيئته والسيطرة عليها، اعتمادا على المعرفة العلمية والتجربة والاستخدام السليم للتقنيات التي يطورها لحل مشكلاته. تدعو الحداثة الى اختبار كل وجه من وجوه الحياة الانسانية لكشف سبل التقدم، وما يعترضها من معوقات، وتطوير حلول علمية لازاحتها. وهي اخيرا تنبذ السكون، وتركز على التغيير المتواصل باعتباره الطريق الطبيعي للارتقاء، وترحب بكل مختلف عن السائد باعتباره نافذة محتملة على مستقبل افضل.

وبالمقارنة فان التحديث هو العمل الهادف الى ارساء القيم الاساسية للحداثة في الحياة الاجتماعية، أي التاكيد على محورية الانسان الفرد كسيد للكون، وهدف للتشريعات، وصانع للحياة. والتركيز على العلم كاساس لاتخاذ القرار في المجالين الفردي والاجتماعي. والنظر الى الحاضر باعتباره اعلى قيمة من الماضي واكثر كمالا، واعتباره النطاق الاساس لكل الجهود التي غرضها صياغة المستقبل.

من الناحية المبدئية نعتبر الحداثة مرحلة متطورة في تاريخ الانسانية وسعيها للارتقاء. لكنا لا ناخذها كقالب جاهز. بل نتعامل معها تعاملا نقديا، وهدفنا هو اعادة انتاجها ضمن الشروط المادية والثقافية الخاصة بمجتمعاتنا. قد نقبل بعض اجزائها ونرفض الاخر، وقد نقدم بعضها ونؤخر الاخر أو نعدله. في كل الاحوال نعتبر الحداثة ”معرفة“ و”تجربة“ مفتوحة لاي جهد انساني، بغض النظر عن الاطارالحضاري الذي ظهرت فيه وتطورت.

التعامل الانتقائي مع الحداثة يختلف عن التعامل النقدي. في التعامل الانتقائي يقتطع الانسان اجزاء وينقلها، وهذا هو الجاري في المجتمعات العربية. فنحن ننقل نظم البناء الغربية كما هي، وننقل التقنيات المختلفة وننقل النظم الاقتصادية والمالية من دون تعديل. اما الذي ندعو اليه فهو اعادة انتاج الحداثة، اجزاءها أو مجموعها، ضمن الشروط الثقافية والمادية الخاصة بنا. اعادة الانتاج تاتي ضمن قراءة نقدية تتعلق بقيم الحداثة نفسها وبموضوعات اشتغالها المقترحة في آن واحد. في الاقتصاد مثلا نحن ننقل قوانين عمل تطورت في اطار فلسفة اقتصادية - اجتماعية مختلفة، وقد لا تلبي حاجاتنا، لا سيما بالنظر الى الفارق الكبير في الثقافة وفي مستوى النمو بين مجتمعاتنا والمجتمعات الصناعية. كان من الافضل لنا ان ندرس علم الاقتصاد من جهة وندرس حاجاتنا من جهة اخرى، فنعدل قوانين العمل تلك أو نبتكر بدائل كي تستوعب وتلبي هذه الحاجات، لا ان ننقل نسخة كاملة عن البنك الاوربي والبيروقراطية الاوربية الخ. خلاصة القول اننا بحاجة الى انتاج حداثتنا الخاصة، ويمكن ان تكون القراءة النقدية للحداثة الاوربية هي الخطوة الاولى في هذا الطريق.

علاقتنا بالغرب كانت ولازالت علاقة شائكة وأنت تطالب بالانفتاح على الثقافة الغربية، وترى أننا ندور بين فشلين فشل في الإتباع وفشل في الإبداع، وأن الخروج من هذه الدائرة لا يكون إلا بإعادة الإنتاج من خلال العلاقة النقدية.. كيف السبيل إلى ذلك إذا كان مثقفونا أنفسهم إما مستلب للغرب أو ناقم عليه؟

علاقتنا مع الغرب هي واحدة من نقاط التأزم البارزة في تاريخنا المعاصر. نحن نكرهه ونرغب فيما عنده. نتألم من هيمنته ونخشى من الانفكاك عنه. نطالبه بالعدل معنا، ونتجاهل قيامنا بالعدل فيما بيننا. وهناك اضافة الى هذا، هيمنة السياسة على تصورنا لهذه العلاقة. فكلما تحدثنا عن الغرب قفزت الى واجهة الحديث صورة الدولة القاهرة المهيمنة. وباء السياسة جعل النقاش الموضوعي مستحيلا. وجعل كل متحدث عن فضائل الغرب غبيا أو مشبوها.

لا نتكلم عن الغرب بالمفهوم الجغرافي، بل بالمعنى الثقافي والزمني. نحن بعبارة اخرى نتحدث عن التجربة وارضيتها الفلسفية والمعرفية، سواء جرت هذه التجربة في بريطانيا أو اليابان أو في مصر أو السعودية أو أي مكان آخر. الغرب الثقافي والحضاري رمز لمرحلة تاريخية، هي الاخيرة في تاريخ البشرية وسعيها المتواصل من اجل التقدم وتسخير الموارد التي أودعها الله في الكون، وطلب من عباده استثمارها ﴿هو انشأكم في الارض واستعمركم فيها. فاذا اردنا النهوض فان نقطة البداية هي استيعاب ما وصل اليه الغربيون، وفهم مصادر القوة التي قادت الى هذه الحضارة أو تولدت في اطارها، ثم العمل على اعادة انتاجها ضمن نسيجنا الثقافي الخاص، وتبعا لحاجاتنا ومصالحنا الخاصة.

بين ابرز مصادرالقوة التي كشفت عنها تجربة الغرب، اشير الى التفكير العلمي والعقلاني، وانتاج العلم، والابداع في مجال الاقتصاد، وتمكين المجتمع من المشاركة الفاعلة والمؤثرة في صياغة الحياة العامة والمستقبل. وامامنا امثلة قريبة مثل كوريا الجنوبية التي بدأت بتقليد الصناعة الغربية، وهي اليوم تنافسها في عقر دارها. وقبلها اليابان وسياتي في السنوات القليلة القادمة مثال الصين، وبينهما تجارب عديدة من ماليزيا الى البرازيل.

في كل هذه الاقطار جرى التركيز على الانسان باعتباره منتج العلم والمدنية. ونحن اليوم نشكو من ان النشاطات التي تسمى تنموية، تركز على الاشياء وتهمل الانسان. فنحن نفتقر الى اجماع حول محورية الفرد وحول حقوق الانسان، ولا سيما حرية التفكير والتعبير، كما نفتقر الى التربية المدرسية التي تبني العقل العلمي والتفكير العقلاني، واخيرا نفتقر الى الاطارات القانونية والمؤسسية، التي تسمح بمشاركة الافراد في صياغة النظام الاجتماعي الذي يعيشون فيه، والمستقبل الذي يسعون اليه.

يمكن لنا ان نتعلم الكثير من التجربة الغربية، نتعلمها ثم نطور تجربتنا الخاصة، التي قد تكون مرحلة موازية، وقد تاتي بمستوى ارقى مما وصل اليه الغربيون. لكن في كل الاحوال لا يمكن الابتداء من الصفر، ولا يمكن اغفال تلك التجرب القيمة، سواء احببناها ام كرهناها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.