آخر تحديث: 14 / 11 / 2019م - 11:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«35» اسلمة الدولة: مفاهيم مختلفة

الدكتور توفيق السيف *

ولاية الفقيه التي ناقشها كتابك ”نظرية السلطة في الفقه الشيعي“ تفترض سلفا ان الحكومة الشرعية هي فقط الحكومة الدينية. السؤال البديهي: هل يجب ان يرأس الدولة فقيه كي تأخذ صفة الدولة الدينية؟.

هذا سؤال ينطوي على مطبات خطرة. فهو يشير الى مفاهيم مختلطة في أذهان الناس. لهذا أجد من الضروري البدء بتحديد المفاهيم التي نعرضها. وأظن ان مجرد توضيحها سيجيب على السؤال.

دعنا نبدأ بمفهوم الدين، فهل نعني به مجموع رسالة السماء، أم آراء الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأعراف المسلمين؟.

في واقعنا الراهن ثمة خلط شديد بين الفقه والدين. وترى ان مسمى ”عالم الدين“ يطلق على العالم في الفقه. وهذا من الاعراف التي جرت وترسخت مع الزمن. حقيقة الأمر ان الفقه كعلم بات مختصا بجانب واحد من أمور الشريعة، هو جانب الأحكام، ”وصار بالعرف مختصا بمعرفة الحلال والحرام“ حسب تعبير الشيخ الطوسي.

الدين ليس كله حلال وحرام. ولا تشكل الأحكام غير جانب صغير نسبيا من مجموعه. وحسبما رأى الشهيد الثاني فان بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه يتحقق بمعرفة مقدمات ست، هي علم الكلام والنحو وأصول الفقه والتصريف ولغة العرب وشرائط الأدلة، والأصول الاربعة وهي القرآن والسنة والعقل والاجماع. أما القدر الذي يدور حوله علم الفقه من المصادر الأصلية للدين، اي الكتاب والسنة فهو ”نحو خمسمائة آية، أما بحفظها أو فهم مقتضاها، ليرجع اليها متى شاء.... ومن السنة جميع ما اشتمل منها على الأحكام، ولو في أصل مصحح رواه عن عدل، بسند متصل إلى النبي والائمة“. ونقل الشوكاني عن صاحب المحصول أن أحاديث الأحكام ثلاثة آلاف، وعن احمد بن حنبل ان الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي ﷺ، ينبغي ان تكون الفا ومائتين. وقال الغزالي: الاصل كتاب الله فلا بد من معرفته، مع تخفيفين: الأول: انه لا يشترط معرفة جميع الكتاب، بل ما تتعلق به الأحكام منه، وهو مقدار خمسمائة آية. والثاني: لا يشترط حفظ هذه الآيات عن ظهر قلب، بل يكفي المعرفة بمواضعها ليعود اليها عند الحاجة.

موضوع علم الفقه هو الشريعة بالمعنى الخاص، اي احكام العبادات والمعاملات التي تشبه ما نعرفه الآن بالقانون. وقد أوضحت في حوار آخر في هذه المجموعة ضرورة التمييز بين الدين والشريعة، وقلت ان مفهوم الدين أوسع من الشريعة. ولذا نميز بين اقامة الحكومة الدينية وتطبيق الشريعة، الذي قد يحصل في دولة غير دينية.

بعد هذا الاستطراد أعود الى مفهوم الدولة الدينية، فأقول ان الفهم العام في البلاد العربية والاسلامية يصرف الفكرة الى تعديل القوانين دون تغيير فلسفة النظام، وهو ما اشتهر باسم ”تطبيق الشريعة“. وقد شكلت الكويت مثلا في 1991 لجنة ملحقة بديوان الأمير اسمتها ”اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية“ مع ان الكويت لم تعتبر نفسها دولة دينية، ولا أحد اعتبرها كذلك. فالمقصود بتطبيق الشريعة هو تعديل بعض القوانين الجارية بما يلائم احكام الشريعة، دون تغير هيكل النظام السياسي وآلياته وفلسفته.

وحصل مثل هذا قبل ذلك في باكستان حين استولى الجيش على السلطة في 1977 وأعلن قائده الجنرال ضياء الحق ان مهمته الأساسية هي تطبيق الشريعة. وفي مصر تبنى مجلس الشعب في 1982 خمسة مشروعات قوانين لتطبيق الشريعة. ومثل ذلك فعل جعفر النميري في السودان في 1983 ثم عمر البشير في 1989. لكن جميع هذه التجارب فشلت في إقامة العدل. فهل نعتبرها حكومات دينية، اي مشروعة، رغم انها لم تقم العدل الذي هو ابرز أغراض الدولة ومن أهم مرادات الدين، كما قال تعالى ”لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز - الحديد 25“؟.

زبدة القول ان الدولة التي لا تقيم العدل ليست دينية وليست شرعية، حتى لو التزمت في قوانينها بأحكام الشريعة او ترأسها فقيه.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.