آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

«36» هل الدولة ضرورة دينية

الدكتور توفيق السيف *

لا زلنا بحاجة الى تحديد أدق لمفهوم الدولة الدينية. دعنا نعيد السؤال معكوسا: هل يمكن اعتبار دولة ما دينية دون أن يرأسها فقيه او دون أن تلتزم بآراء الفقهاء في قوانينها؟.

حسنا. طالما أردت التعمق في المسألة، فدعنا نذهب الى سؤال أسبق من هذا. لنقل: هل كان الغرض من رسالات السماء، سيما رسالة الاسلام، إقامة الدولة؟.

هذا سؤال يبدو لبعض الناس سخيفا، لأنهم يرون ان من الطبيعي أن يريد أهل الدين إقامة دولتهم الخاصة. لكن هذا الأمر الذي يبدو بديهيا في الانطباع الأولي، ليس كذلك في الحقيقة. لأننا نميز بين ان يكون إنشاء الدولة الخاصة هدفا للرسالة، وبين أن تأتي الدولة كتطور طبيعي لتغير موازين القوى والثقافة السياسية بعد انتشار الدعوة الدينية. في الحالة الثانية لم تكن إقامة الدولة هدفا للرسالة السماوية، بل حاجة لأتباعها، فهي دولة تعبر عنهم كجماعة، وليس عن الرسالة التي يؤمنون بها.

لاحظ المرحوم شمس الدين مثلا، انه لم يرد في تراثنا ما يشير الى ان المسلمين قد سألوا الرسول ﷺ عن هذه المسألة، رغم اهميتها العظيمة، ورغم انهم سألوه في المئات من القضايا الأخرى الأقل أهمية. وهو يعتقد ان السبب الوحيد هو وعيهم بكونها من الأمور البديهية التي لا تحتاج الى سؤال. يؤكد الجابري على هذا المنحى بالقول ان جهاز الحكم الذي أقامه المسلمون في عهد الرسول وبعده، كان انعكاسا لظرفهم التاريخي وحاجاتهم. أما برهان غليون فذهب الى مدى أبعد، فاعتبر ان عالمية الرسالة الاسلامية واعتمادها على التربية والتزكية والالتزام الذاتي، تتعارض مع فكرة الدولة التي طبيعتها الارتباط باقليم محدد، وجوهرها هو استعمال القوة الخارجية والقهر. الرسالة مشروع لتوحيد البشر، بينما ترمز الدولة الى الانقسام. ولهذا فان الاسلام لم يول مسألة الدولة اهتماما ولم تكن من مشاغله.

خلافا لهذه الرؤية، قال آية الله الخميني ان الشارع أمر بمجموعة أحكام يتوقف تطبيقها على وجود حكومة مبسوطة اليد. وان ترك المسألة من جانب الحكيم الصانع أمر غير معقول. ولهذا فالواجب - منطقيا - ان يأمر الناس باقامة حكومة تطبق أحكامه، لانها من جنس مقدمة الواجب. لكنني جادلت في كتاب ”نظرية السلطة“ بأن كون المسألة بديهية، لا تنتج - لزوما - ضرورة تشريعها، فثمة ضرورات كثيرة تركها الشارعة للناس. وهذا وارد في أكثر المعقولات، وما تبانى عليه العقلاء قبل الشريعة. فلا يبعد ان تكون الدولة - باعتبارها ضرورة عقلا - مما امضاه الشارع على ما تعارف عليه الناس، أو اعتبره مصلحة عقلائية لا تقتضي تدخله الا ضمن الاطار العام. يضاف الى هذا اننا لسنا بصدد بيان ما هو معقول وما هو غير معقول، بل بين ما ثبت لنا تشريعه وما لم يثبت. اما المجادلة بكونها مقدمة للواجب، فهو لا يكفي لاثبات وجوبها بذاتها، لانها أعم وأكبر من الواجب الاصلي، ودورها اوسع كثيرا منه.

نعم يمكن الاستدلال على وجوب قيام الحكومة بالتكاليف الشرعية بعد وجودها. هذا التكليف موجه لرجال الدولة وليس لعامة الناس. وهو مختلف عن فحوى كلام الخميني الذي يقتضي كون اقامة الدولة واجبا في الاصل، وان هذا التكليف موجه لعامة الناس.

هذه المجادلة تستهدف التمييز بين صورتين لفكرة الحكومة الدينية:

الاولى: اعتبار إقامتها غرضا محددا للرسالة الالهية. وهذا يستوجب ورود أمر صريح من الوحي وتفصيل القول في شكلها وطريقة عملها. في هذه الحالة نصف الدولة بأنها دينية، اذا قامت على وفق ما ورد في البيان الشرعي وطبقت مقاصده. وهذا ما نسميه في أصول الفقه بالواجب لذاته.

الثانية: اعتبارها وجوده الدولة أو إقامتها من بديهيات الحياة الاجتماعية التي لا تستقر ولا تتقدم إلا بها. وهذا يستوجب تذكير المجتمع بهذا الواجب، مثلما نذكرهم بضرورة العلم والعمل والنظافة، كي لا يجهلوا ولا يجوعوا ولا يمرضوا. في هذه الحالة نعتبر الدولة اسلامية بمعنى انتسابها الى المجتمع المسلم، ونسميها دينية اذا التزمت في فلسفة عملها بالقيم الدينية. هذا النوع من الواجبات نسميه بالواجب لغيره، ونقول ان وجوبه طريقي، بمعنى انه وجب لأنه وسيلة وحيدة لانجاز اغراض واجبة.

ماذا عن رئاسة الفقيه لهذه الحكومة؟.

الأصل في الحكم والقانون انه عام ومرتبط بموضوعه. غرض الأحكام الشرعية هو تحقيق غاية محددة، وهي موجهة لجميع الناس، بغض النظر عن أشخاص القائمين بالتنفيذ. لو كان تطبيق الشريعة او إقامة الحكومة مشروطا برئاسة الفقيه لها، لوجب توجيه الأمر الى الفقهاء وليس الى عامة الناس. وعندئذ فليس على العامة تكليف ولا يعد هذا من واجباتهم. نعلم طبعا انه ليس لدينا مثل هذا النوع من الأحكام الخاصة بطبقة او صنف من الناس، الفقهاء أو غيرهم. حتى الروايات التي تشير الى ”واجبات على العلماء“ مثل نشر العلم وبيانه للناس، فهي ليست في بيان واجبات شخصية محددة، بل هي من نوع الارشادات وبيان الاولويات، والمقصود بها عموم العلم. ومثلها الروايات والآيات التي تربط العلم بالعمل وتعتبر العلم حجة على حامله.

في كتابك ”نظرية السلطة“ نقلت مجادلة للملا النراقي، فحواها ان الأمر بالولاية عام على نحو الكفاية، لكنه اعتبر الأمر موجها للعلماء على نحو الأولوية، لأنهم الأعلم بموضوعه. يبدو لي هذا الرأي معقولا.

لا لا اعتبره رأيا معقولا، في هذا الباب خاصة. الحقيقة ان النراقي كان يستدل على شرعية تصدي المجتهد لولاية القضاء، وليس لرئاسة الحكومة. وقد شرحت ذلك في الكتاب. كما أن قوله بأن العلماء معنيون به على نحو الأولوية، يقود بالضرورة الى إضافة تكليف، وهو بذاته يحتاج الى دليل مستقل. لأن الأصل في كل موضوع البراءة من الحكم. وفي مثل هذه القضايا الخطيرة، نحتاج الى دليل مناسب كي يحمل ثقلها.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.