آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

«37» حول مفهوم ”الحاكمية“

الدكتور توفيق السيف *

الحقيقة انه كلما طرح موضع الدولة الاسلامية للنقاش، قفزت الى السطح مفاهيم جدلية مثل ”الحاكمية“ التي نادى بها سيد قطب، و”ولاية الفقيه“ و”الخلافة“ التي نادى بها ”حزب التحرير“ سابقا ويدعيها تنظيم ”داعش“ حاليا. هذه الطروحات كثيرة المشاكل، سؤالي الأول: كيف تنظر الى مفهوم ”الحاكمية“ التي اقترحها قطب؟.

ما كان لهذه المفاهيم ان تثير ذلك القدر من الجدل لولا محمولها السياسي الفعلي. فكل منها يشير الى طرف له دور محوري في صراعات سياسية راهنة. غرضي من هذه الاشارة هو بيان ان معظم الجدل القائم حولها، مضمونه سياسي او اغراضه سياسية، فالناس يعارضونها ويؤيدونها بالنظر الى موقعهم في الصراع، مع تيار الاخوان المسلمين مثلا او ضدهم، بغض النظر عن المبررات العلمية او القيمية للمفاهيم محل الجدل. مفهوم ”الحاكمية“ نقله الشهيد سيد قطب عن ابي الأعلى المودودي، الداعية الهندي المعروف. وكان غرض المودودي التاكيد فقط على امكانية الدولة الدينية، وقد دعا في عدد من خطبه الى حكومة اسلامية في باكستان عند تأسيسها. لكن يبدو انه تخلى عن هذا المشروع بعد 1955. وبقيت ”الجماعة الاسلامية“ التي كان بين مؤسسيها الأوائل، تشارك بشكل مباشر او غير مباشر في الحياة السياسية ضمن النظام العسكري القائم حتى وفاة المودوي في 1979. ويمكن القول بصفة عامة ان الجانب السياسي من عمل المودودي اتسم باللين والسلمية، رغم تطرفه اللفظي في الفترة بين 1948 - 1955. بعبارة أخرى فان فكرة ”الحاكمية“ التي طرحها كانت نظرية اجمالية لا تنطوي على مضمون اقصائي بارز.

أما دعوة سيد قطب فقد أثارت جدلا كثيرا، لأنها جاءت في سياق انكار صلاح المجتمع وايمانه. وقد اخذ عليه ناقدوه تشدده في القول بجاهلية المجتمع الذي لا يعمل على أسلمة مؤسساته وحكومته. واثارت الفكرة حماسة شباب الاخوان المسلمين حتى اعتبروا سيد قطب ملهمهم الرئيس، وبعد اعدامه في 1966 أصبح الايمان بالفكرة مثل مؤشر على التوجهات السياسية للاخوان، رغم انها بقيت نظرية منفصلة، لم يحولها أحد الى خلفية لبرنامج سياسي يمكن طرحه على الجمهور.

اما نخبة الاخوان وكبار الجماعة فقد كانوا أميل الى رفض الفكرة. ونشر مرشد الجماعة حسن الهضيبي كتابا بعنوان ”دعاة لا قضاة“ كرسه لاقناع اعضائها بالتبرؤ من محمولات الفكرة وتداعياتها. كما ان عددا كبيرا من شخصيات الجماعة اعلنوا صراحة رفضهم لها، ونسبها بعضهم الى ما اسماه الشيخ يوسف القرضاوي ”فقه المحنة“ الذي يصدر عن حالة انفعال بظروف العسر وليس عن موقف قطعي أو طويل الأمد.

فكرة ”الخلافة“ التي تبناها ”حزب التحرير الاسلامي“ لم تثر اهتماما كبيرا. لأن الحزب نفسه بقي هامشيا وغير ذي تأثير بارز في الحياة العامة. لكن الجدل الكبير الذي أثارته، يرجع الى عام 2014 حين تبناها وأعلن قيامها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ”داعش“. لكن ليس من المرجح ان يكون للفكرة شأن على المدى الطويل، لأن التنظيم شوه صورتها بالمذابح التي أقامها والفضائع التي ارتكبها في كل مدينة سيطر عليها، في سوريا والعراق، فضلا عن عمليات القتل الواسعة التي قام بها ضد مدنيين في دول عديدة، لاسيما خلال عام 2015.

يبدو ان مفهوم ”الحاكمية“ الذي طرحه سيد قطب أثر بعمق على التيار الاسلامي، رغم محاولته التبرؤ منه.

لا أرى الأمر على هذا النحو، سيما بالنسبة لنخبة الاسلاميين. لكن يجب الانتباه الى ان فكرة تحكيم الشريعة تشكل قناعة مشتركة عند الجميع. مع ان الاكثرية لا يقبلون بالمحمول الثانوي للفكرة، اي تجهيل المجتمع. بعبارة اخرى فان الاسلاميين لم يأخذوا بفكرة سيد قطب، فقد كانت موجودة ومتبناة قبله. لكنهم ربما انشغلوا بالجدل فيها، بسبب تاثيرها على القاعدة الشبابية للجماعات الدينية، أو لأن هذه الجماعة وجدت نفسها متهمة بتبني فكرة سيد قطب.

ان أبرز المؤاخذات على الشروحات التي قدمها سيد قطب، تتمثل في المفاصلة الحادة بين القائلين بحكم الله وسائر الناس، واعتباره كل قانون غير الشريعة باطلا، وان طاعته نوع من الشرك أو الجاهلية. بالمقارنة فان د. حسن الترابي، وهو من مؤسسي تيار الاخوان المسلمين في السودان، يقدم تفسيرا مفارقا لفكرة الحاكمية، حيث يعتبر حاكمية الله في المجال السياسي، منصرفة الى تمكين إرادة الأمة التي تصنع القانون وتقيم الدولة، وتعبر عن قيمها الدينية من خلال المؤسسات الدستورية والسياسية. وهو يعتبر ان هذا هو المقصود الاصلي بالاجماع المصنف في أصول الفقه كأحد مصادر التشريع. وأجد ان فكرة الترابي تحاكي في جوانب ملفتة فكرة الدولة المدنية الحديثة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.