آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

«39» القيام بالعدل كغرض اولي للدولة

الدكتور توفيق السيف *

تقول ان إقامة العدل هو الغرض الرئيس من المعالجة الدينية لمسألة السلطة، وان السعي لانجاز هذا الغرض هو معيار إسلامية الحكومة وشرعيتها. كيف تصف حكومة تسعى لهذا الغرض وهي غير مسلمة، أو يقودها اشخاص غير مسلمين او غير ملتزمين بالواجبات الدينية على الصعيد الشخصي؟.

إقامة العدل أحد الأغراض الكبرى للرسالات السماوية جميعا، كما ورد في الآية المباركة ”لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط - الحديد 25“. وفي الحديث عن النبي ﷺ ”بالعدل قامت السماوات والأرض“. ولهذا فمن البديهي اعتبار إقامة العدل والسعي اليه والقيام بالعدل بين الناس، معيارا لشرعية السلطة والحكومة. هذا من حيث المبدأ.

اما ما يتعلق بالوصف، فالسؤال ينصرف الى عدة فروع: الأول يخص نسبة الاسلامية الى الحكومة. هذه النسبة اما ان تعبر عن التزام الحكومة بتعاليم الدين، أو انتسابها الى المجتمع الذي أقامها، اي مجتمع المسلمين. الثاني يخص نسبة الحكومة الى الحاكم. فاذا كنا نتخذ النظرة القديمة التي تنسب الدولة الى الحاكم، فوصفها مستمد من وصفه. اما اذا اخذنا الواقع القائم في عالم اليوم، اي كون الحكومة مؤسسة قائمة بذاتها ومستقلة عن رئيسها، فان وصفها منفصل عن وصف الرئيس. الفرع الثالث يخص معنى الالتزام بالدين، فهل نقصد التزام شخص الحاكم بجميع تعاليم الفقيه وفتاواه، ام الالتزام الاجمالي بما هو لازم في الدين كالصلاة والصيام، وعدم الجهر بالمنكرات المتفق عليها. فكل واحد من تلك الاسئلة يترتب عليه حكم مختلف عن الآخر.

في رأيي ان العدل شرط لشرعية أي سلطة سواء كانت سياسية أو غيرها. أما بالنسبة للحكومة فإنها تحتاج إلى شرط إضافي وهو تمثيلها لشعبها على نحو صحيح ونظامي. فإذا كان شعبها مسلما ويريد الحكم بالإسلام، فعليها أن تفعل ذلك كي تحافظ على شرعيتها. أما بالنسبة للمجتمعات غير المسلمة فلا موضوع لهذا الشرط. وهذا في رايي جار سواء كان رئيس الدولة مسلما او غير مسلم، ملتزما او غير ملتزم، لأن رئيس الدولة في النظام الحديث اقرب الى كبير الموظفين، ووظيفته تطبيق الدستور والقانون. فجوهر الموضوع هو مؤسسة الدولة وليس شخص الرئيس. والله اعلم.

هل تقع المسؤولية في إقامة العدل على كافة الناس ام على النخبة القادرة؟.

اذا قلنا بأن اقامة العدل هو غرض الرسالات السماوية وهو أمر الله، فهو ملزم لكل مكلف بالاستماع للنبي والاستجابة لأمر الله، اي كافة الناس، حسب تصريح الاية المباركة ”وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون - سبأ 28“. ثم ان اقامة العدل مصلحة ثابتة لكل انسان، وهو ضرورة لصون كرامته وازدهار حياته، وارتقائه في مدارج الكمال. لكن - بحسب طبائع الامور - فان الناس يتفاوتون في مقدار التكليف الملقى على عاتقهم، فشدة التكليف تبدأ بالاعلم بالمسألة والاقدر عليها والاكثر نفوذا بين الناس، ثم تصل الى عامة الناس. لكن لا يوجد احد غير مكلف او غير معني.

اذا صح هذا القول فهل يترتب على المتخلفين عن أداء هذا الواجب إثم او عقاب في الدنيا او الآخرة؟. هذا ما لا استطيع الحكم فيه. مع اني أرى ان ترك الناس للسعي في إقامة العدل او سكوتهم عن استمرار الظلم، يؤدي عادة الى فساد دنياهم، وتخلف مجتمعاتهم وضعفهم وضياع كرامتهم، وهو ما عرفناه من تاريخنا وتاريخ البشرية عموما، وما نراه عيانا في واقعنا المعاصر.

تقول الآية الكريمة ”إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم - النساء 97“. اليس في الآية دلالة واضحة على تأثيم القاعدين والمتهاونين في إقامة العدل؟.

صدقت. هكذا أفهم الآية، ولو كان الامر متعلقا بنفسي على وجه التحديد، لأخذتها على هذا النحو. لكنك تسألني عن حكم عام، وهو ما لا استطيعه.

لو قامت دولة على أساس الجور ثم جنحت للعدل ثم عدلت عنه إلى الظلم. فهل ستكون فاقدة للشرعية أولاً ثم تصبح شرعية ثم تنزع منها الشرعية حسب التزامها بإقامة العدل؟. بعبارة اخرى هل يمكن الحديث عن الشرعية كوصف ثابت ام مرن؟.

على القول بان شرعية الحكومة ترتبط بعملها الفعلي، فان بقاء شرعيتها رهن ببقاء عدلها. لكن المسائل نسبية. لان القيام بالعدل ومفهومه التطبيقي أمر نسبي. ولهذا فقد يكون كاملا أو ناقصا أو متدرجا. والذي أرى أن رضا الناس عن حكومتهم جزء من مفهوم المشروعية. وهو قد يعوض نقص العدالة في بعض الأوقات. بل قد يمكن القول أن التطبيق العملي لمفهوم العدالة راجع إلى العرف العام، أو ما يسمى اليوم بالرأي العام. وبالتالي فانه يمكن النظر إلى المكونات الجوهرية للعدل الاجتماعي بشكل متزامن ومترابط مع رضا الناس عن حكومتهم وتمثيلها لمصالحهم، باعتبارها جميعا أجزاء من منظومة الشرعية. وأريد الإشارة أخيرا إلى ضرورة التمييز بين المفهوم الفقهي والمفهوم الفلسفي للشرعية السياسية، فهما لا يتطابقان بالضرورة. حين ندرس المسألة من زاوية فقهية، فالمفهوم الذي نستعمله هو الفقهي، أما حين نتحدث عن الجانب العملي فإننا نستعمل المفهوم المستفاد من الفلسلفة السياسية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.