آخر تحديث: 19 / 10 / 2019م - 3:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

«41» هل نحتاج الى المزيد من النظريات الدينية

الدكتور توفيق السيف *

في مقدمة كتابك ”نظرية السلطة في الفقه الشيعي“ قلت أن غرض البحث هو اختبار إمكانية عرض نظرية جديدة لشرعية السلطة في الإسلام. نعلم ان هذك نظريات اخرى موازية لولاية الفقيه. فلماذا نسعى لاستنباط نظرية جديدة؟.

هذه هي طبيعة العلم. لا توجد في العلم نظرية نهائية. كل نظرية هي واحد من الاحتمالات. وكل مساهمة علمية هي خطوة صغيرة أو كبيرة على طريق تكامل العلم، وهو تكامل لا يصل ابدا الى مستوى الكمال، ولا يصل الى نهاية. طبيعة العلم التصاعد والتطور والارتقاء، وهذا مسار ليس له نهاية أبدا.

فيما يخص نظرية ولاية الفقيه، فهناك بالفعل نقاش واسع حول الموضوع، في مجامع العلم الديني، لا سيما في إيران. وهناك أطروحات مختلفة، بعضها ينطلق من نفس الأساس الفلسفي أو الفقهي لولاية الفقيه، ويقترح صيغا أرقى من الصيغة الحالية للنظرية. وبعضها ينكر جدوى ولاية الفقيه وقابليتها للاشتغال في الدولة الحديثة.

في اعتقادي ان الدين الإسلامي يتسع لأكثر من نظرية وأكثر من ممارسة سياسية. وعلينا أن نسعى لاكتشاف الإمكانات التي يتيحها النص الديني والعقل الجمعي للمسلمين في كل عصر. وطريقنا في ذلك هو الاجتهاد بمفهومه الواسع. وقد عرضت في الكتاب المراحل المختلفة التي مر بها التفكير الفقهي في مسألة السلطة، حتى وصوله إلى مرحلة ولاية الفقيه. نعلم ان النظرية لم تصبح مشهورة قبل الربع الاخير من القرن العشرين، ولم تظهر اصلا في النقاشات العلمية قبل القرن السابع الهجري «الثالث عشر الميلادي»، حتى في ابسط صيغها. لكن الاهتمام بها اتسع لاحقا، حتى اصبحت احد الأجوبة المحورية على سؤال السلطة في الفقه الشيعي. بديهي ان ظهورها واتساع الاهتمام بها، كان ثمرة لتزايد الاسئلة وتوسع البحوث الفقهية تبعا له.

لهذا، وعلى المنوال نفسه، فالمتوقع ان يؤدي تطبيق النظرية في نظام سياسي، الى ظهور اسئلة جديدة واشكالات لم تنكشف قبل ذلك. هذه - كما قلت - طبيعة العلم. ومثلما حلت هذه النظرية محل غيرها، فسوف يأتي المستقبل بغيرها في محلها. نظام القيادة السياسية وأرضيته الفلسفية ليس من الثوابت الدينية، بل هو انعكاس لحاجات المجتمع وتطلعاته ومستواه الثقافي ونوعية التحديات المتوجهة إليه. ومع تغير هذه فلا بد أن تتغير مفعولاتها.

لا بد هنا من الرد على المحاولات الهادفة لرفع النظرية من مستوى الفقه الى مستوى العقائد. اي اعتبارها من قطعيات الدين أو ثوابت الشريعة. هذه المحاولات دافعها سياسي محض ولا أهمية لها في الحقل العلمي. ”ولاية الفقيه“ ليست أكثر من رأي فقهي ولد نتيجة لاجتهاد الفقهاء، وأدلتها ومبرراتها لا تخرج عن هذا السياق. ولهذا فهي، مثل اي نظرية فقهية أخرى، قابلة للنقد والنقض والتعديل والمحاججة. وليس لهذا أي أثر سلبي على الشريعة. ولا ينبغي ان يثير أي قلق.

طرح المرحوم السيد محمد الشيرازي نظرية بديلة اسماها ”شورى الفقهاء“. هل تراها مرحلة أكثر تقدما أو بديلا افضل من ”ولاية الفقيه“ في صيغتها المعروفة؟.

الذي يظهر لي أن نظرية استاذنا المقدس آية الله الشيرازي رضوان الله عليه، لا تقدم بديلا أفضل من ”ولاية الفقيه“ في صيغتها المعروفة. الإشكالات المطروحة على ولاية الفقيه لا تتناول عدد الفقهاء القائمين على السلطة، بل أدلة هذه الولاية، وقابليتها لضمان العدالة، وعلاقة الدولة بالمجتمع في ظلها. حاول الاستاذ رضون ا لله عليه معالجة اشكال استبداد احد الفقهاء بالرأي فاقتراح مجلس فقهاء. وهذا يشبه - من بعض الوجوه - ما قرره دستور الجمهورية الاسلامية في البند الخاص بتعيين مجلس من الفقهاء، حين يتعذر انتخاب فقيه واحد جامع لشرائط القيادة.

لكن الرؤية العامة التي بنى عليها المرحوم رأيه، لا تختلف عن المباني المعروفة لولاية الفقيه. فهو مثلا يسلم بان السلطة العليا في الدولة حق خاص للفقيه، وان الفقيه يحكم برأيه ولا يلتزم بالدستور الذي يمثل نوعا من العقد بين الحاكم والمواطنين. كما لا يعتبر الفقيه ممثلا للشعب او وكيلا عنه، بل حاكما بموجب نيابته عن المعصوم. وقد ناقشت هذه المباني جميعا في فصول الكتاب. وأرى انها غير صالحة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.