آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 9:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

«42» النظريات الدينية نتاج لتطور المجتمع الديني

الدكتور توفيق السيف *

تطورت نظرية السلطة في الفقه الشيعي على مدى زمني طويل نسبيا، وكانت مراحلها المتتالية انعكاسا للمعطيات الواقعية في زمنها. هل يعني هذا ان جميع الأطروحات نتاج بشري جرى تكييفه مع الدين، وانها ليست دينية بمعنى كونها تكليفا إلهيا في الشكل او المضمون؟.

هذا صحيح. معظم الاراء الفقهية الخاصة بالمعاملات والولايات، جاءت ردا على اسئلة وحاجات جديدة، لم تكن قائمة او منظورة في زمن النص. والحقيقة ان هذا هو المبرر الوحيد للاجتهاد. لو لم يكن ثمة اسئلة جديدة وحاجات متغيرة لما احتجنا الى فقيه متخصص. مسألة الحكم مثل قضايا البيع والشراء والتجارة، بل كل التبادلات التي تجري بين الناس، تتغير طبيعتها او مضمونها او تتغير آثارها. بعض هذه المسائل يدخل مباشرة او من خلال انعكاساتها في دائرة الاحكام الشرعية، وبعضها يبقى ضمن دائرة العرف.

فكرة الدولة ومفهوم السلطة وأغراضها وطرق عملها تعرضت لتحول جذري، لا سيما منذ ظهور مفهوم الدولة القومية بعد صلح وستفاليا المعروف في 1648م. وقد تعمق هذا التحول في الفترة بين الحربين العالميتين «1918 - 1937». وهي مثل كل شيء في هذا العالم في حال تحول دائم، يتباطأ حينا ويتسارع أحيانا.

في المقابل فان الجدل الفقهي حول السلطة، مازال يدور على خلفية الدولة الاسلامية القديمة، اي تلك التي كانت قائمة حتى القرن الثاني عشر الميلادي. وقد زال هذا المفهوم وتجسيداته من عالم اليوم بشكل كلي. بحسب معرفتي فان النقاش حول فكرة السلطة في الفقه الشيعي بقي حتى الربع الأخير من القرن العشرين، مشدودا الى مسألة الامامة، باعتبارها الصورة الوحيدة الممكنة للسلطة المشروعة. هذا لاينفي بطبيعة الحال الاجتهادات الكثيرة التي حاولت منذ القرن الحادي عشر الميلادي ايجاد تسوية بين حاجات الجمهور وواقع سلطة التغلب القائمة. لكن هذه المحاولات جميعا لا تشكل نظرية متكاملة حول السلطة. كما ان الفقهاء الذين تحدثوا في الموضوع، ادرجوها ضمن باب ”العمل مع السلطان“ والمقصود به المتغلب، الذي يعتبر العمل معه مشكلا من الناحية الشرعية. هذا يشير الى الاطار الضيق الذي نوقش الموضوع فيه.

وقد راجعت في الكتاب الذي نحن بصدده «نظرية السلطة في الفقه الشيعي» ابرز مراحل التطور التي مرت بها فكرة السلطة عند الفقهاء، حتى وصلنا الى نظرية ولاية الفقيه. وتوضح هذه المراجعة ان جميع التطورات المذكورة جاءت انعكاسا لحاجات مستجدة في المجتمع الديني. بعبارة أخرى فان أحدا لا يدعي ان ”ولاية الفقيه“ ترجع مباشرة الى نص من أحد المعصومين. ولو كان الأمر على هذا النحو لعرفناها منذ عشرة قرون على الأقل. جميع الفقهاء الذين تبنوها، سواء أولئك الذين اعتبروها ولاية عامة، أو من اختصرها الى ولايات مخصصة، ارجعوها الى أدلة عامة تستفاد من النص او من حكم العقل. فهي اذن مسألة اجتهادية، مثل معظم مسائل المعاملات.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.