آخر تحديث: 26 / 8 / 2019م - 2:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«43» ولاية الفقيه على المجتمع وولاية المجتمع على نفسه

الدكتور توفيق السيف *

تتحدث عن سيادة الأمة على الدولة، فهل ترى ان رضا الشعب هو المصدر الوحيد لشرعية الحكم من الناحية الدينية، هل لهذا الرأي أساس ديني، بحيث نعتبر حكومة من هذا النوع تكليفا شرعيا؟.

يهمني اولا الاشارة الى أن كل ما نقوله لا يدخل في باب الفتوى أو المتبنى الديني، بل هو محصور في إطار البحث العلمي. ولا يخفى على اللبيب الفارق بين الاثنين.

فيما يخص السؤال: هناك مساران للنقاش في شرعية السلطة: نقاش يدور حول تعريفها، وعنوانه «ما هي السلطة الشرعية» ونقاش يدور حول تكوينها، وعنوانه «كيف تتحقق السلطة الشرعية».

القائلون بولاية الفقيه «سواء الفردية أو الجماعية» يرون أن رئاسة الفقيه للدولة هو مصدر مشروعيتها. بعبارة اخرى فان سؤال «ماهي السلطة الشرعية»، جوابه: «هي السلطة التي يرأسها فقيه جامع لشرائط الفتوى». وهذا الرأي مبني على فرضية أن الشارع قد وضع نظاما خاصا للسلطة في المجتمع المسلم، يتمثل في رئاسة الفقيه العامة. وبحسب التعبير المتعارف في علم السياسة المعاصر، فان اصحاب هذا الرأي لا يرون المجتمع وعاء للسلطة ولا اهلا لتفويضها، ولا يعتبرون الحكومة ممثلا للشعب، بل هي قائمة خارج المجتمع ومتعينة عليه من قبل الله سبحانه، ودور الشعب مقتصر على السمع والطاعة والمناصرة.

اما القائلون بسيادة الأمة فيرون أن رضا العامة المتحقق بطريقة نظامية «كالانتخاب العام مثلا» هو مصدر شرعية السلطة. وهذا القول مبني على أن مجال عمل الدولة هو نفوس الناس وحقوقهم وأملاكهم، بما فيها الأملاك العامة. وقد اثبت الشرع حقا للمالك في اختيار من ينوب عنه في إدارة أملاكه ومصالحه. ومن هنا فهم - على خلاف السابقين - يرون المجتمع وعاء السلطة، يفوضها لمن شاء بالشروط التي يراها وللمدة التي يتفق عليها.

لكني أود معالجة المسألة في الاطار النظري أولا، بحيث نركز على مضمون السلطة قبل الحديث عن شكلها او طريقة عملها. النقاش في المضمون يعني ان سؤال «ما هي السلطة الشرعية» ذو طبيعة فلسفية، وابسط الأجوبة عليه هو أن «السلطة الشرعية هي السلطة العادلة». بكلمة أخرى فان القيام بالعدل وتحقيقه هو شرط المشروعية.

إذا أخذنا بهذا الجانب من النقاش، فانه يمكن القول أن السلطة العادلة مشروعة، ولو لم يكن على رأسها فقيه. والسلطة الظالمة غير مشروعة حتى لو كان على رأسها فقيه. لكن كما أشرت سلفا فان هذه مسألة فلسفية. وجميع الناس أو أكثرهم يريدون تحديد ”طريقة“ لضمان العدل. وبالتالي فان الاهتمام الأكبر في البحوث العلمية منصب على ”شكل“ الحكومة العادلة وكيفية عملها.

من هذه الزاوية فان الفقهاء يأخذون برأي الفيلسوف اليوناني سقراط الذي يرى ان العالم «الفيلسوف حسب تعريفه» هو اقرب الناس إلى العدالة، ذلك ان سقراط وتلاميذه يربطون العدل بمعرفة الحقيقة. وان الفيلسوف هو الاقدر على اكتشاف الحقائق. وهذا هو الرأي الرائج في التراث الإسلامي القديم والمعاصر.

أما الإشارة في السؤال إلى ”تكليف الشارع“، فمن الصعب إثبات أن الشارع قد كلفنا بأي شكل من أشكال الأنظمة السياسية. بل ان النظرية السائدة عند الشيعة، أي ”ولاية الفقيه“ قد عورضت من جانب عدد معتبر من فقهائهم. حتى ان الشيخ مرتضى الأنصاري «1800 - 1864م»، وهو من اعاظم علماء الشيعة الذين تعد اراؤهم مرجعية في البحث الفقهي، قال أن إثباتها على النحو المعروف ”دونه خرط القتاد“. نحن إذن لا نتحدث عن شكل معين باعتباره تكليفا من الشارع، بل باعتباره اقرب إلى تحقيق المشروعية المرادة، أي كونه داخل الإطار الديني العام.

زبدة القول انني لا ارى ان الشارع المقدس كلفنا بشكل محدد من أشكال السلطة. بل أمرنا باقامة القسط والعدل. فأي اطار وأي طريقة تضمن القيام بالعدل، فهي طريقة مشروعة. شكل السلطة ليس اذن مسألة دينية كي نجتهد في البحث عن جواب لها من النص الديني.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.