آخر تحديث: 23 / 8 / 2019م - 2:20 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«45» في كمال الاسلام وشموله

الدكتور توفيق السيف *

فيما يخص تعيين الحاكم او اختيار طريقة الحكم، يقال عادة ان الشارع المقدس لم يترك اي شيء هملا. وحسب تعبير المحقق البحراني فان الاخبار مستفيضة في ان كل حكم مبين في الكتاب والسنة ”حتى أرش الخدش“. ومن هذا المنطلق فهم يقولون انه لا يعقل ان الشارع الحكيم ترك طريقة الحكم، وهي مسألة في غاية الاهمية والتأثير، من دون تنظيم. كيف يتحدث عن أمور صغيرة ويترك أمرا عظيما كهذا؟.

يطرح هذا السؤال عادة في مقام السجال. فهو لا يثبت شيئا ولا ينفي شيئا ولا يأتي بفكرة جديدة. فاذا كان مقصود السائل ان الشارع المقدس قد بين كل شيء، فعليه إثبات ان هذا البيان قد حصل فعلا. فالنقاش اذن في أمر حاصل وليس في فرضية. وإذا كان مقصود السائل انه يجب على الشارع بيان ذلك الأمر العظيم او غيره من الأمور، فان كان المراد الوجوب المنطقي - تبعا لقاعدة اللطف مثلا - فهو مثل سابقه، اي يجب اثبات حصوله. وان كان المراد الوجوب الشرعي فهذا غير مقبول، لانه ليس لعباد الله ان يفرضوا على ربهم ما يفعل وما لا يفعل، فهو سبحانه ”لا يسأل عما يفعل وهم يسألون“.

نأتي الآن الى ما استدلوا به لاثبات ان الشارع لم يترك أمرا دون بيان. وعمدة الأدلة على ذلك قوله تعالى ”ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين - النحل 89“ وقوله ”ما فرطنا في الكتاب من شيء - الانعام 38“ وآيات أخرى شبيهة في المعنى أو الدلالة. وقد استدل بها بعض العلماء على أن القرآن جمع كل علم وكل بيان. كما عقد الكليني بابا في كتابه ”الكافي“ عنوانه ”باب الرد إلى الكتاب والسنة وانه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج الناس اليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة“.

ويرد على هذا الرأي، أن احتواء القرآن على كل شيء، لا يدل ضرورة على أن هذه الأشياء كلها من باب التعيين أو التكليف أو الوجوب. فالكثير من آيات القران فيها فائدة الإرشاد والاعتبار وتثبيت القلوب. ولهذا فان مجرد ورودها عن الخالق سبحانه، لا يدل على أنها مورد تكليف وتعيين. ثم ان القول باشتمال القرآن والسنة على كل شيء، بمعنى الاستغراق، غير معقول. فنحن نعلم ان هناك اشياء كثيرة في عالم اليوم وفي العالم القديم، لم تذكر في الكتاب ولا في السنة. ونستشهد هنا برد الملا احمد النراقي «ت - 1828م» على تلك الدعوى، حيث يقول ان المعنى المقصود في تلك الآيات والروايات هو ان الوحي قد بين ما يقتضي شأنه ووظيفته بيانه، لا كل شيء على نحو الاطلاق. فالبديهي ان كثيرا من الامور لم تبين في الكتاب، سواء الكتاب في معنى القرآن او في معنى الشريعة. وذاك لانها ليست مما هو مطلوب من الكتاب بيانه. كما ان عدم البيان لا يوجب الظن بالنقص، فعدم بيان ما ليس مطلوبا ليس مظنة نقص. بل لعل بيان غير المطلوب يعد تكلفا. والتكلف مما يعاب على الكامل.

ليست مهمة القران جمع علوم البشر، بل دلالتهم على الطريق القويم بشكل عام. أما تفصيل ذلك الطريق فمتروك لعقولهم. ولو أحصى القران كل تلك الأمور، لكان تكلفا في غير ضرورة، وتعطيلا لعقول الناس دون داع حثيث. أما القول بان الإسلام لم يترك منطقة فراغ، فهذا غير صحيح البتة، بل إن منطقة الفراغ - حسب تعبير المرحوم الصدر - أو منطقة البراءة حسب تعبير بقية الأصوليين هي المساحة الأكبر، وهي الأصل في كل الأفعال. وإنما يأتي التكليف بالوجوب أو الحرمة في بعض الأفعال كعرض لاحق. الأصل في كل شيء هو البراءة من الحكم، أي عدم تعلق أي إلزام شرعي به. أما الآراء الفقهية المتعلقة بالتعامل مع الحكومات، تحريما أو إجازة، فهي كلها مستمدة من أدلة عقلية، وتابعة لتقدير المصالح والمفاسد العرفية في زمنها الخاص. صحيح أنهم يوردون أدلة من الكتاب والسنة، لكنها في الغالب بغرض الاستئناس وبيان الإمكانية، وإلا فالعمدة هو تقدير المصالح والمفاسد.

وكنت قد شرحت رأيي في دعوى كون الاسلام شاملا، في كتاب ”الحداثة كحاجة دينية“ وذكرت هناك انني ارى ”كمال“ الاسلام وليس شموله. وهو المصرح به في الآية المباركة ”اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا - المائدة 3“. الكمال وصف للكيف، وهو يقابل القصور أو النقص النوعي. ولا شك ان الاسلام ليس بناقص. أما الشمول فهو وصف كمي. وواضح لكل عاقل ان تعاليم الدين لا تفرض علينا الرجوع اليه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة. نحن نؤدي يوميا عشرات الاعمال، دون ان نسأل عن حكمها الشرعي، لأنا لانراها قضايا دينية تحتاج الى حكم. بل نرجع فيها الى عقولنا او الى اهل الاختصاص في موضوعاتها، كالمهندس والطبيب وغيرهم. وهذا أبسط دليل على عدم صحة القول بشمول الاسلام، بمعنى استغراق أحكامه لكل قضايا الحياة وموضوعاتها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.