آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«47» حول وجوب طاعة المعصوم

الدكتور توفيق السيف *

اشرت الى جدل حول وجوب طاعة المعصوم، هل هناك خلاف فعلي في هذا؟.

المشهور عند الشيعة هو وجوب طاعة المعصوم مطلقا. لكني اظن هذا من الاراء التي ظهرت في وقت متأخر، اي بعد عصر الائمة. ولدينا عدد من الأمثلة عن حوادث تاريخية مشهورة، تشير الى ان أصحاب الائمة المقربين، لم يكونوا يأخذون اراءهم باعتبارها نهائية او غير قابلة للنقاش. وقد ذكر المرحوم صالحي نجف آبادي في كتابه ”شهيد جاويد“ عددا من الحوادث الموثقة، كان أطرافها رجال من أعاظم اصحاب الائمة، اعترضوا على الامام، ولم يجرح ذلك من مكانتهم عند الامام ولا عند الشيعة. ومن اشهر الامثلة معارضة حجر بن عدي الكندي وسليمان بن صرد الخزاعي للامام الحسن في صلحه مع معاوية. هذا قد يشير الى تمييزهم بين الولاية السياسية والولاية الدينية للامام، وقد يشير الى عدم اعتبارهم عصمة الامام مطلقا، او اعتبارهم ان عصمته محصورة في الشأن الديني بالمعنى الخاص على وجه التقييد.

رأيي الشخصي ان القول بعصمة الامام خارج النطاق الخاص لموضوع الامامة الدينية، فيه تكلف. ولانملك دليلا قطعيا عليه. فما ينقل من الادلة ليس جامعا ولا مانعا. ومثل هذا الامر الكبير بحاجة الى دليل قوي جدا، كي يحمل ما يترتب على الاخذ به. وكنت قد جادلت في كتابي الذي نحن بصدده ”نظرية السلطة في الفقه الشيعي“ بأن الولاية السياسية للامام مشروطة بالبيعة العامة، وهذا أيضا رأي آية الله منتظري. فاذا قلنا بهذا، أي بكون البيعة مولدة للحق في تولي السلطة السياسية، فمعناه ان ”سلطة“ الامام في الشان العام ليست مستمدة من كونه اماما، بل من اختيار الناس له. وهذا يضع ممارسته للسلطة في الاطار العرفي، بمعنى ان العرف/ راي العامة، هو مصدر حق الامام في الامر والنهي والطاعة في الشأن العام، ونعلم ان مخالفة العرف ليست من الآثام بالمعنى الديني الخاص. فلا موجب لأن يترتب على مخالفته أثر أخروي، اللهم الا بعنوان ثانوي، مثل حرمة التفريط في المصالح العامة او الاضرار بالمسلمين. فاذا صح هذا، فالاثر الاخروي مرتبط بهذا العنوان وليس بمخالفة أمر الحاكم، سواء كان اماما او فقيها او غيره.

الذين يقولون بالولاية العامة للامام، لا يرون البيعة مصدرا لشرعية سلطته.

النقاش حول بيعة الامام ليس قديما. نقاشات قدامى المتكلمين ركزت على صفات الامام ومؤهلاته. ويبدو انها أقيمت على خلفية ان الامام رئيس روحي لا يتعدى دوره مجال الدعوة. لذلك مثلا لم أصادف خلال البحث نقاشا فقهيا أو كلاميا موسعا، حول بيعة الامام علي بن أبي طالب بالخلافة في عام 35 للهجرة «656م»، ولا حول بيعة الامام علي بن موسى الرضا بولاية العهد للمأمون العباسي في 201 هـ «817م».

وحتى في نقاشاتهم حول ضرورة تعيين الامام وكونه تجسيدا للطف الالهي، فان معظم الامثلة التي يضربونها للفكرة، تتحدث عن الامام الداعية وليس الامام الحاكم. بل ان تعبيرهم عن الامام ب ”الحاكم الشرعي“، وهو من التعبيرات المتداولة، تنصرف عندهم الى القاضي في أغلب الحالات، وليس رئيس الدولة. وبالمناسبة فان أول تنظير مفصل لولاية الفقيه على يد الملا احمد النراقي، يشير بوضوح الى هذا المعنى:

نرى كثيرا من غير المحتاطين من افاضل العصر وطلاب الزمان، إذا وجدوا في انفسهم قوة الترجيح والاقتدار على التفريع، يجلسون مجلس الحكومة ويتولون امور الرعية، فيفتون لهم في مسائل الحلال والحرام، ويحكمون باحكام لم يثبت لهم وجوب القبول عنهم، كثبوت الهلال ونحوه، ويجلسون مجلس القضاء والمرافعات ويجرون الحدود والتعزيرات، ويتصرفون باموال اليتامى والمجانين والسفهاء والغياب، ويتولون انكحتهم، ويعزلون الاوصياء وينصبون القوام، ويقسمون الاخماس ويتصرفون بمال المجهول مالكه، ويؤجرون الاوقاف العامة، الى غير ذلك من لوازم الرياسة الكبرى.

يبدو لي ان انصراف معنى الامامة الى هذا المنحى، سببه ان الشيعة انصرفوا عن السياسة كليا بعد استشهاد الحسين. فركز علماؤهم على وظائف الدعوة وحفظ الدين خارج اطار السلطة، ودارت بحوثهم في هذا الاطار أيضا. ويعتقد الطوسي ان هذا هو مسلك الائمة، فهم - بحسب تعبيره - ”لا يرون الخروج عليهم - سلاطين الجور - ولا يعتقدون أنهم يقومون بالسيف ويزيلون الدول. بل كان المعلوم من حالهم أنهم ينتظرون مهديا لهم. وليس يضر السلطان اعتقاد من يعتقد إمامتهم، إذا أمنوهم على مملكتهم، ولم يخافوا جانبهم“.

من الناحية الواقعية فقد ادى هذا الانصراف الى قيام نوع من تقاسم الأدوار بين الفقهاء والحكام. وهو فحوى رسالة «ارشاد نامه» التي كتبها الميرزا ابو القاسم القمي صاحب كتاب قوانين الاصول المعروف «ت - 1231 هـ /1816م» إلى الشاه القاجاري آغا محمد خان: ”الملوك وظيفتهم حفظ امور الناس المعيشية والدنيوية، والفقهاء وظيفتهم حفظ دين الناس.. الفقيه يحتاج إلى الملك والملك يحتاج إلى الفقيه“.

زبدة القول ان الفقه الشيعي لم يوجه اهتمامه الى مسألة الدولة والحكم. وان النقاشات الكلامية ثم الفقهية حول الامامة، تمحورت حول الائمة المعصومين، وليس حول منصب الرئاسة السياسية ووظائف الرئيس، سواء كان إماما بالمفهوم الخاص او لم يكن. وتبعا لهذا فان مكانة ”البيعة“ ووظيفتها ودورها في توليد الشرعية السياسية، لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه.

استثناء من هذا، لاحظت عددا من البحوث الفقهية الهامة، ظهرت في العقود الثلاثة الاخيرة. وكان محورها هو الطريقة الشرعية لوصول الرئيس الى كرسي السلطة. ومن هذه الزاوية تعرضوا لمسألة البيعة. ودارت جميع تلك النقاشات حول دور الجمهور في توليد الشرعية السياسية. وقد لاحظت ان الفقهاء ذوي الميول المحافظة، حافظوا على المفهوم القديم، اي اعتبار ولي الامر متعينا من قبل الله، وان دور الشعب هو اكتشاف من تنطبق عليه الشروط والمؤهلات ومناصرته. لكن هذه العلاقة لا تصل الى مستوى تفويض السلطة او توليد الشرعية. وعلى النقيض من هذا فان الفقهاء ذوي الميول الاصلاحية اعتبروا ان المجتمع هو وعاء السلطة وان شرعية الرئيس، فقيها او غير فقيه، رهن بكونه منتخبا من قبل العامة. وقد عرضت هذه الاراء بالتفصيل في كتاب ”نظرية السلطة“ ثم في كتاب ”حدود الديمقراطية الدينية“.

 

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.