آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«49» المرجعية والولاية

الدكتور توفيق السيف *

يبدو ان حصر الولاية على الشأن العام في الفقيه المجتهد، رؤية جديدة في الحوزة العلمية. لان الروايات التي يعتمدون عليها في اثبات الرجوع الى الفقيه او طاعة أمره، تذكر بالنص الرجوع الى رواة حديث المعصوم وليس من يستنبط الاحكام منها. بعبارة اخرى فان هذا قد يشير الى ان طاعة الفقيه المدعى وجوبها، منصرفة الى طاعة النص الذي يتضمن أمر المعصوم وليس طاعة الناقل، فضلا عن طاعة رأي ناقل الرواية.

ولاية الفقيه امتداد طبيعي للمرجعية الدينية. وهي قائمة على نفس مبرراتها. وجرى التعارف في علم الفقه على وصف المرجع الديني بوصف ”الحاكم الشرعي“. وكان هذا الاسم يطلق عادة على قاضي كل بلد، ربما لكونه اكبر شيوخها. العنصر الإضافي الذي جاءت به نظرية ولاية الفقيه هو تمديد وظيفة المرجع إلى الجانب السياسي، وكانت فيما مضى قصرا على الفتوى والقضاء او إجازة القضاة.

أما التطور الذي حصل في الأدلة الموجبة لطاعة الفقيه، أي اشتراط القدرة على الاستنباط لاكتساب وصف الفقيه، ومن ثم طاعة أمره، فكان نتيجة لغلبة الاتجاه الاصولي على المدرسة الفقهية الشيعية. من المعلوم ان الاجتهاد لم يكن محل ترحيب في المجتمع الديني الشيعي حتى أواخر القرن الرابع الهجري. وكانوا يعتبرون الاجتهاد قولا بالرأي غير محمود في الدين. وكان عمل العلماء منصبا على رواية الحديث.

والمرجح ان اول من دعا الى الاجتهاد بالمعنى المتعارف اليوم، هو الحسن بن أبي عقيل العماني ومحمد بن الجنيد الاسكافي، اللذين عاشا في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي «يرجح أن ابن الجنيد ولد في 290 وتوفي في 381 هج «991 م» ويرجح ان وفاة ابن ابي عقيل في 368 هج».

وقد واجه العماني والجنيد معارضة شديدة، وأهملت اعمالهما العلمية اهمالا تاما. ثم اعيد اعتبارها بعد وفاتهما بعقود. وأصبح الاستنباط «القول بالرأي كما كان يسمى سابقا» محور العمل الفقهي في المدرسة العلمية الشيعية. وفي الوقت الراهن يطلق اسم ”الفقيه“ على المجتهد الذي يتمتع بمعرفة تخصصية بالكتاب والسنة والأدلة العقلية والتراث الفقهي، ويملك قابلية استنباط الاحكام اعتمادا على هذه المصادر «الكتاب، السنة، العقل، الاجماع». وتبعا لهذا فان ملكة الاجتهاد والعدالة هي ابرز المؤهلات المطلوبة لتولي ”المرجعية الدينية“ او الولاية العامة.

فيما يخص التطور التاريخي للفكر الديني، بما فيه فكرة السلطة والنظريات المتعلقة بها، فمن البديهي ان تتأثر المسائل والنقاشات بتحولات المجتمع ومستوى الناس في زمنها، وهو ما يسمى احيانا بالافق التاريخي للفكرة. كل زمن يأتي بتحديات وأسئلة جديدة تتطلب إضافة أو تعديلا في فكرة السلطة ومفاهيم العمل السياسي. ومع مرور الزمن فان تراكم التطور يعطينا نظريات جديدة بالكامل، مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في قرون سالفة. وهذا أمر طبيعي يظهر في كل جوانب الحياة الأمر الذي يحملنا على الظن بان الثابت في هذا الموضوع هو القيم الدينية الأساسية «وأعظمها النظام العام والعدالة» أما كيفية تطبيقها، فتختلف عبر الأزمان والأمكنة والظروف. والله اعلم

فيما يخص الجزء الاول من السؤال السابق، كأنك تفصل بين أدلة طاعة الفقيه ومبررات المرجعية الدينية، هل هذا صحيح؟.

تبعا لنفوذ الاتجاه الاخباري في المدرسة الفقهية، جرى اسناد القول بوجوب طاعة الفقيه الى مجموعة روايات، ابرزها اربع، هي الرواية المعروفة بمقبولة عمر بن حنظلة، والرواية المعروفة بمشهورة ابي خديجة «سالم بن مكرم»، ورواية اسحاق بن يعقوب عن الكليني عن محمد بن عثمان العمري، ورواية الطبرسي عن ابي محمد العسكري. وهي روايات اتفق الباحثون في علم الرجال والدراية على ضعفها لجهة السند او الدلالة، سيما انحصار الدلالة وقدرتها على حمل المدلول الثقيل.

لكن الدليل الوحيد القابل للثبات عند الجدل، هو الدليل العقلي، الذي فحواه اتفاق العقلاء على وجوب عودة الجاهل الى العالم عند الابتلاء بما يحتاج الى علم. وقد ناقشت في الكتاب ”نظرية السلطة“ كل واحدة من تلك الروايات وأوضحت الاراء المختلفة فيها. على اي حال فان تلك الروايات والدليل العقلي، لا تثبت اكثر من مدلول واحد هو وجوب سؤال العالم.

في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، طرح الشيخ مرتضى الانصاري فكرة جديدة خلاصتها ان تعدد آراء العلماء في مسألة واحدة، يوجب - منطقيا - الرجوع الى اعلمهم بها. فاذا اقتنع المكلف بأن فقيها معينا هو الأعلم، وجب عليه العودة اليه في المسائل الاخرى. وكان هذا هو الاساس النظري الذي بنيت عليه فكرة المرجعية.

أما قيام المرجعية كنظام ثابت، فهو يرجع الى التطورات التي حدثت بعد ذلك، سيما أثناء الحركة المعروفة بثورة التنباك «1308 ه/1891م» التي كشفت عن حاجة ماسة الى زعيم للمجتمع الشيعي. وقد لعب هذا الدور بكفاءة الميرزا محمد حسن الشيرازي. وتأكدت هذه الحاجة حين انقسم المجتمع الديني حول الموقف من الثورة الدستورية في 1905. ومن هنا تحولت فكرة قيام ”المرجعية الدينية“ كنظام قيادة موحد، الى جواب اجماعي عند الشيعة. ان ظهور النموذج الأول لنظام المرجعية في الصورة التي نعرفها حاليا يرجع الى هذه الفترة، وقد ساعدت التطورات اللاحقة، سيما خلال الفترة الفاصلة بين الحرب العالمية الاولى والثانية «1918 - 1939» في انضاج الفكرة وجعلها محل اتفاق بين المنتمين للتيار الرئيسي في التشيع، اي الاتجاه الاثني عشري الاصولي.

زبدة القول ان المرجعية لم تقم على ارضية ادلة من النص، بل كانت نتيجة لتطور المجتمع الشيعي وحاجته لقيادة توحد رأيه وتمثل تطلعاته.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.