آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

«51» خيرية الانسان هي فطرة الله

الدكتور توفيق السيف *

انت تقول ان الاستدلال بفساد الطبيعة البشرية على ضرورة السلطة، قابل للسقوط بشبهة عدم اضطراد أصل الفساد في بني البشر. يمكن القول ايضا - على نفس النسق - إن الحكم بخيرية الإنسان وعقلانيته قابل للابطال لوجود فئة من المجانين والاشرار، وذلك لشبهة عدم الاضطراد.

نقاشنا ليس في أن القاعدة في جنس البشر هي الفساد وان الصلاح استثناء، بل عكس ذلك تماما. انا لا اقول انها قاعدة غير مضطردة، بل اقول ان دعوى كون التظالم اصل في طبيعة الانسان، دعوى باطلة، اي أنها ليست قاعدة عقلائية صحيحة كي نناقش في كونها مضطردة أو غير مضطردة، وأن الاستدلال على أي شيء بفساد الاجتماع البشري، هو استدلال باطل، لعدم ثبوته من الأصل، ولكونه خلاف المفهوم من القران الكريم، وخلاف تجربة البشر على امتداد أزمانهم واختلاف أصنافهم. أما قياس القاعدة المدعاة على قواعد أخرى فهو نقاش خارج الموضوع. فحتى لو صحت الثانية فهي مستقلة تماما عن الأولى، لا تدعمها ولا تضعفها.

اذا قبلنا باستدلالك على الطبيعة الخيرة للبشر، وقبلنا ايضا بدعوى عدم انطباق الحاجة للولاية على المحسنين، فان هذا يبطل ضرورة الرئاسة كليا كما يبطل الحاجة للامام. هذه دعوى عريضة جدا.

وجود التظالم لا يبطل اصالة الخيرية في البشر. لاننا نميز بين الفساد كطبيعة في البشر وجزء من فطرتهم الاصلية، وبين كونه عارضا يطرأ عليهم بعد خلقهم، بسبب التربية او البيئة أو غيرها من الاسباب. وأستدل على قولي بأن الخيرية هي الطبع الأولي للبشر وهو فطرة الله، بالعديد من الآيات الصريحة وشبه الصريحة في هذا المعنى، ومنها قوله تعالى ”لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم - التين 4“ وقوله ”يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم‏ *‏ الذي خلقك فسواك فعدلك‏ *‏ في أي صورة ما شاء ركبك‏ - الانفطار6‏ ‏8“، ومثلها عديد من الروايات التي في نفس المعنى. هذه ناحية.

الناحية الاخرى ان وجود المحسنين، لا يبطل الحاجة الى حكومة تقيم العدل في المحسنين وغير المحسنين. غاية ما يقال في المسألة ان الموضوع الاول لعمل الحكومة، اي ردع البغي، ليس له مصداق في ذلك الجزء بالتحديد. وقد بينت ان رأيي هو أن الأدلة النقلية - وليس العقلية - هي العمدة في ثبوت الإمامة الدينية. بخلاف الرئاسة التي دليلها عقلي. وبها يرتبط موضوع التظالم، على فرض ثبوته. وقد توصلت في البحث الذي نحن بصدده، إلى عدم علاقته بالإمامة ولا أدلتها.

جدير بالذكر ان الذين بنوا قولهم بضرورة الحكومة على اصالة التظالم، أجازوا للحاكم أن يستبد بالأمر ويقهر الناس على الصلاح. وهو الرأي الذي مال إليه معظم فقهاء المسلمين القدامى. أما رأيي فان الدولة هيئة اجتماعية يقيمها الشعب لتمثيل مصالحه وإدارة التعارضات التي قد تحصل فيما بينها، على نحو يجعل تنوعها وتعارضها طريقا للتكامل والتفاعل، بدل ان تقود إلى التناحر. الذين قالوا بالطبيعة الخيرة للجنس البشري، يرون أن الناس لو تركوا وشانهم لكانوا اقرب إلى الصلاح. ولهذا لا يجيزون قمعهم أو فرض حكم استبدادي عليهم. والفارق بين ما ينتج عن الرأيين لا يخفى على عاقل.

قلت في الكتاب انه ”ليس بالوسع إثبات أن الإنسان طاغية بالفطرة“. فهل بالوسع إثبات أن الإنسان ليس طاغية بالفطرة، أو إثبات أنه صالح بالفطرة؟. ماذا تقول في الآيات التي تشير إلى وجود النزعتين وتأصلهما في الإنسان، مثل الآية ”فألهمها فجورها وتقواها - الشمس 8“، ”وهديناه النجدين - البلد 10“، و”إِنَ الإِنسانَ لظلوم كفار - إبراهيم 34“، ”وحملها الْإِنسان إِنه كان ظُلوما جهولا - الاحزاب 72“؟.

الآيات المذكورة تحتمل احد تفسيرين:

أ‌» ان الجهل والفجور والظلم والكفر جزء من فطرة الانسان التي فطره الله عليها.

ب‌» ان هذه الاوصاف والحالات، اعراض تصيب الانسان او يحملها في تيار الحياة، وليست جزء من جوهره. بمعنى ان فطرته سليمة لكنها قابلة للفساد والتأثر بدواعيه لاحقا.

هذان احتمالان، ولا نستطيع القول بضرس قاطع ان احدهما هو مراد الايات المباركات. لكننا نستطيع القطع بالقدر المتيقن كما يقال، اي الحد الأدنى المؤكد حدوثه، وهو الثاني.

دعنا الآن نذهب الى الايات التي تحدثت بشكل محدد عن الفطرة، اي الطبيعة الاصلية للانسان التي فطره الله عليها. نقرأ مثلا قول الحق سبحانه ”فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون - الروم 30“. تتحدث الاية عن التوحيد أو الارتباط الروحي بين الإنسان وخالقه، تلك هي الفطرة. فهل يكون الموحد الفطري طاغيا أو فاجرا فطريا؟.

هذه الآية لا تحتاج إلى مزيد بيان. لكن للرد فقط نقول أن الله سبحانه، خلق الإنسان ومكنه من أتباع أي سبيل يشاء، وحمله المسؤولية عن اختياره. فأتباع الطريق القويم هو احتمال أقوى، لأنه اقرب إلى مراد الخالق. وأتباع الطريق الفاسد هو احتمال ثان ممكن، لان الله أراد للإنسان أن يكون حرا مختارا. ثم أن القول بان الإنسان طاغية بالفطرة معارض لأصل العدل الإلهي. فإذا كانت فطرة الإنسان الأصلية هي الفساد، فان دخول الجنة حق للفاسدين، الذين لم يعلموا بالنبوة، أو لم يصلهم خبر النبي، لأنهم اتبعوا فطرتهم التي فطرهم الله عليها. ويجب أن نمتدحهم على فسادهم وبغيهم، لأنهم اتبعوا الطريق الذي اختاره الله لهم.. فهل يصح هذا الكلام؟.

ونضيف إلى ذلك دلالة الآية المباركة ”لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم“ فهل من حسن التقويم، فساد طبيعته وفطرته الأصلية؟.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.