آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 5:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«52» البغي والتنازع كدليل على فساد الطبيعة البشرية

الدكتور توفيق السيف *

ذكرت في الكتاب أنه لم ترد آية واحدة في القرآن الكريم، تؤكد أن البغي طبيعة في الإنسان، سابقة على وصول البلاغ إليه. ما الفرق بين وصول البلاغ وعدمه؟. ما الأثر الذي يترتب على هذا التفريق؟ هل وصول البلاغ سيتسبب في طغيان المبلَّغ رغم سلامة فطرته وأصله؟.

أوردت هذا التمييز في الرد على من قال بان الإنسان طبيعته الفساد والبغي. لان القران يقول ”وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم - الشورى 14“. وهذا دليل على أن البغي والتفرق طبع عارض في الناس وليس فطريا أصيلا. أما تأثير وصول البلاغ - أو العلم - كعامل إثارة للاختلاف وبالتالي التنازع، فالظاهر ان إشارة القرآن الكريم تتعلق بتجربة أو عبرة مستفادة من تجارب محددة. في هذه التجارب كان الناس على نسق واحد اجتماعي وثقافي. فلما ظهر النبي انحاز إليه أقلية من الناس وعارضه الأكثرية، وعلى رأسهم أصحاب الهيمنة والسلطان، ومن لهم مصلحة جارية في النظام الاجتماعي القائم. وكافح الأنبياء كفاحا مريرا ضد هذا النظام. ونجح بعضهم في الإطاحة به كما هو الحال في تجربة نبينا عليه الصلاة والسلام. الذين عارضوا الأنبياء لم يكونوا منصفين مع أنفسهم، ولا مع قومهم، ولا مع النبي. بل عارضوه بغيا وعدوانا، ولم يروا فيه إلا تهديدا لمصالحهم، ولم ينظروا في المصلحة الأعظم التي ستعود عليها في الدنيا والآخرة لو اتبعوا نبيهم. والخلاصة أن البلاغ النبوي يوجد هزة في النظام الاجتماعي القائم، يؤدي إلى التطورات المشار إليها. والله اعلم.

فيما يخص الخلاف بعد وصول البلاغ او العلم. ما هو وجه الارتباط بين العلم والفرقة، او بين البلاغ والتفرق. ولماذا علل القرآن التفرق بالبغي؟.

يمكن النقاش في هذا السؤال من زاويتين: زاوية تاريخية تعنى باستكشاف انعكاس ظهور الانبياء على النظام الاجتماعي القائم. او من زاوية سوسيولوجية حول العلاقة بين المعرفة «العلم» والتفرق. لكن دعنا أولا نتساءل: لماذا يتفرق الناس؟. الواضح ان مجرد اختلاف الافكار لا يؤدي الى التفرق، لأن الاختلاف في الآراء والتطلعات قد يحصل داخل منظمة واحدة مثل العائلة او الشركة او الحزب، لكن المنظمة تبقى موحدة. اما الاختلاف المؤدي للفرقة فهو ذلك الذي يترتب على ظهور ”مراكز قوى“ أو ”دوائر مصالح جديدة“، سواء كانت تتعلق بالاقتصاد او بالنفوذ السياسي. وأبسط أمثلتها التنافس بين التجار، ومنها التنافس بين الاحزاب السياسية، وبين زعماء المجتمع والقادة على النفوذ، وأعلاها كما هو معروف التنافس بين الدول والحكومات، والتي قد تقود الى حروب.

في هذا السياق اود الاستشهاد برأي المفكر المعروف جان جاك روسو، الذي تعرض لهذه المسألة في رسالته المشهورة حول اصل التمايز. فهو يرى ان النزاعات التي أدت الى الحروب، ارتبطت دائما بخلاف على الملكية والمصالح. الارتباط بالمصلحة والملك والاستعداد للحرب من اجلها، يتطلب مستوى ثقافيا، يعتقد روسو انه لم يتوفر للانسان في عصوره الاولى. قرار الحرب مع الاخرين يتطلب عملية فكرية معقدة، تتضمن فهما محددا للملكية الخاصة، واحتساب المستقبل، واستيعاب البشر الاخرين بوصفهم تهديدا محتملا، اضافة الى حد ادنى ربما من القدرات اللغوية.

بعبارة اخرى فان المعرفة تقود في أول تجلياتها الى اكتشاف حدود الذات والمسافة بينها وبين الآخر، وتبعا اكتشاف ما هو مصلحة للذات ومصلحة للآخر. ونعلم ايضا ان زيادة المعرفة تقود الى اكتشاف أو قيام مصالح جديدة ودوائر مصالح جديدة.

أما ما يخص العلاقة بين ظهور الرسالات السماوية «او وصول الدعوة الدينية عموما» وبين الفرقة، فالقصص التي أوردها القرآن الكريم عن رد فعل الاقوام السابقة وعرب الجاهلية، توضح ان ”الملأ“ او النخبة بحسب التعبير الحديث كانت بين متشكك في عواقب دعوة الرسول او كانت معارضة له، بسبب قلقها من خسارة مكانتها. نعرف من تلك القصص ومن تجربة البشرية بشكل عام، ان كل دعوة جديدة تؤدي الى تغيير موازين القوة في المجتمع، اي بزوغ قوى جديدة وغروب قوى سائدة. هذا أمر معروف وبديهي. ولهذا وجدنا ان الرسالات السماوية يحملها - غالبا - ضعفاء المجتمعات، ويعارضها الاقوياء والنافذون.

اختيار المعارضين لهذا الموقف العدائي، ليس مبنيا على تقدير محايد وموضوعي لصحة الدعوة الجديدة، بل لأنهم وجدوا فيها تهديدا محتملا لنفوذهم الاجتماعي او السياسي او مصالحهم المادية. وهذا - في تقديري - ما يصفه القرآن بالبغي.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.