آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«54» اسئلة الربيع العربي

الدكتور توفيق السيف *

ثمة سؤال طالما شغل ذهني: كيف فهمت الربيع العربي؟

فهمته كمحاولة لتحقيق الذات. لسنوات طويلة جدا ساد انطباع بان الشعوب العربية عاجزة عن التعبير عن خياراتها وفرض خياراتها، وان الحكومات العربية لا تعبأ بشعوبها لهذا السبب تحديدا، أي لأنها تعلم ان العربي قد يطالب بشيء، لكنه قصير النفس، سرعان ما يمل او يتعب او يخاف، فينكفيء على نفسه ويكتفي بتعزيتها، او تصريف ألمه في مواضع أخرى غير السياسة.

لعل النخب التي احتكرت السلطة طوال القرن العشرن نجحت في ترويض المجتمع، أو لعل الثقافة الموروثة شكلت إطارا لتصريف التوتر، وإقناع الجميع بشعار ”مالنا والدخول بين السلاطين“. في كل الأحوال لم يكن المواطن العربي شريكا في صناعة القرار المتعلق بحياته ومستقبل أبنائه، ولم يكن صوته مؤثرا في دوائر السياسة. بسبب هذا الانقطاع انعدمت الثقة المتبادلة بين الشعب والنخب السياسية، وباتت الريبة والشك موجها لتفكير كل طرف في الآخر.

الربيع العربي كان المناسبة التي شعر فيها الناس انهم - كجمع - قادرون على التغيير، وان الحكومات يمكن ان تصغي لأصواتهم إذا كانت عالية وكثيفة. العرب اليوم يشعرون بذاتهم، على المستوى الفردي والجمعي. يشعرون بانهم قادرون على اصلاح واقعهم اذا ارادوا، وهم أيضا يعرفون الطريق.

لا ينبغي المبالغة في التوقعات، سيما فيما يخص الزمن. الثورات الشعبية ذات طبيعة معقدة، وهي تنكمش وتتسع، تختفي وتظهر، بطريقة يصعب تفسيرها. لكن المهم في المسألة ككل، ان الحكومات العربية التي اعتادت الاستهزاء بالجمهور وعدم الاصغاء لصوته، لن تكون قادرة بعد الربيع العربي على مواصلة هذا السلوك.

الحراك الشعبي الهائل الذي شهده العالم العربي منذ أواخر 2010 مازال يثير الاسئلة. ما هي محركاته، لماذا تراجع، لماذا اقتصر على بلدان بعينها، أدوار التيارات السياسية، لا سيما الاسلامية. والكثير من الاسئلة المماثلة. دعنا نبدأ بسؤال البواعث والأسباب. هل هو الفشل الاقتصادي ام تغير الافكار ام تحريك الخارج ام الجماعات السياسية المحلية؟.

قد تستغرب لو قلت لك انه لم يحصل خلال التاريخ المسجل ان تنبأ أحد بثورة شعبية، وصدقت توقعاته. لازال انفجار الثورات الشعبية من النقاط الغامضة التي درسها باحثون كثيرون، لكن لم نتوصل حتى الآن الى تقديرات معقولة حول التوقيت، أو العوامل المؤدية مباشرة الى الانفجار الشعبي. لدينا في بحوث علم الاجتماع والسياسة قدر معقول من الدراسات المتينة حول عوامل تثبيت الاستقرار والعوامل المعاكسة. نستطيع - وفقا لهذه الابحاث - ان نحدد ما يسمى بخطوط الانكسار، اي العوامل والظروف التي قد تؤدي الى اضطراب النظام الاجتماعي، وربما وصوله الى ظرف الثورة. لكن لا يمكن القطع أبدا بان أيا من هذه العوامل، او حتى مجموعها، سيقود حتما الى تلك النتيجة.

يهمني هنا التشديد على الفارق بين الثورات التي يقوم بها الجمهور أو شريحة معتبرة منه، وبين الحركات التي يمكن وصفها بالانقلابية، سواء نظمت على يد مجموعة من العسكر أو على يد مجموعة سياسية محددة، فهذه أعمال مخططة ومنظمة تخضع في توقيتها لخطط أصحابها، ولا تندرج تحت وصف الثورات الشعبية التي تتسم بأنها عفوية، يمثل ”العامة“ عمودها الفقري. يمكن القول ان جميع الثورات الشعبية انفجرت بشكل فاجأ الجميع. الثورة الفرنسية والايرانية والانتفاضات التي شهدتها أوربا الشرقية بعد 1990، وصولا الى الربيع العربي.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
تقي عيسى الشيخ علي
[ القطيف ]: 28 / 3 / 2016م - 1:20 م
تسلم يادكتور لو عندنا خمسة مثلك لكان فكرنا متحرر من الافكار القديمة.
مقالتك ذات اعجاب كثير من الناس وان خفت صوتهم والمعترضين قلة جدا وان علا صوتهم
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.