آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

«55» الفقر كمنتج سياسي

الدكتور توفيق السيف *

لماذا يصعب التنبؤ بالثورة الشعبية، اليس بالامكان تحديد العوامل المشتركة بين مختلف التجارب؟.

أشعر أحيانا أن الثورة تشكل - في العقل الباطن - شيئا يشبه حكم الاعدام في القضاء، يصل الناس إليه حين ترتفع كافة الخيارات البديلة أو المحتملة. الثورة ليست عملية سياسية عادية، بل هي قلب للنظام الاجتماعي كله، وتغيير لمسار الحياة الفردية والاجتماعية. وهي - لهذا السبب - تشكل نوعا من القفز الى المجهول. وليس من طبيعة الجمهور ان يفعل شيئا كهذا ما لم يضطر إليه.

يتعلق هذا الوصف بمرحلة انطلاق الثورة وليس تداعياتها او مراحلها التالية. لانها ما إن تبدأ، حتى تتحول الى خيار متاح، مثل الخيارات السابقة لها، وعندئذ ينضم اليها اضعاف العدد الذي شارك في لحظة الانطلاق. اللحظة الفاصلة والغامضة اذن هي لحظة الانطلاق.

الثورة ليست الخيار الأول عادة. حين يواجه الناس بمشكلات أو صعوبات حياتية، فانهم يميلون الى حلها بالوسائل المتوفرة في النظام الاجتماعي، سواء الوسائل القانونية، أو العرفية «كالبحث عن واسطة» او حتى الوسائل غير القانونية «كالرشوة». وهم يقومون بهذه الجهود على مستوى فردي ولا ينقلونها للمجال العام الا نادرا. هذه المحاولات غير مريحة لعامة الناس، فهم يفترضون ان يكون النظام القانوني واسعا ورحيما بحيث لا يواجهون أي مشكلات، أو يكون مرنا بحيث يسهل عليهم حل ما يواجهون من مشكلات. لهذا فان اضطرارهم للهاث من دائرة حكومية الى أخرى، والتوسل بهذا وذاك من الموظفين، أو دفع الرشوة، يعتبر عندهم علامة على فشل النظام أو قسوته. لكن توصلهم الى حل لمشكلتهم الفردية، ولو بطريقة ملتوية، يؤدي بشكل فوري الى تبريد التوتر الداخلي في نفوسهم، وتأكيد اعتقادهم بأن كل مشكلة قابلة للحل، بطريقة أو بأخرى، ضمن حدود ما هو معلوم سلفا، ومعروف النتيجة. وجود إمكانية للتوصل الى حلول كهذه، تجعل التفكير في الثورة احتمالا مستبعدا.

ماذا عن الدوافع المعيشية أو الاقتصادية التي يراها باحثون كثيرون محركا هاما لتجارب ثورية عديدة؟.

سأنقل رأيا أظنه في الأصل للمفكر الفرنسي المعروف جان جاك روسو، خلاصته ان الفقر بمفرده لا يفجر ثورة. أمامنا بلدان يعيش فيها ملايين الفقراء، لكنها لم تشهد ثورات. يتحول الفقر الى ”عامل ثوري“ حين يجري تفسيره سياسيا، اي حين يشعر الانسان بأن هذا الفقر قابل للعلاج، لكن الحكومة غير مهتمة بعلاجه، أو انها تحول دون علاجه. مع تنامي هذا الشعور يتحول الفقر في ذهن الانسان من ظرف معيشي مؤقت، الى قدر محتوم وجزء بنية النظام أو من لوازم وجوده، وانه لا يمكن ان يتخلص من حالة الفقر مع وجود هذا التنظيم السياسي الذي يعيش في ظله. هذا هو الفقر الذي يفجر الثورة. أما مجرد وجود الفقر فلا يفجر ثورة. لذلك اقول ان وجود الفقر في العالم العربي، انخفاض المستوى المعيشي لم يكن بمفرده كافيا لتفجير الثورة، شعور الناس انهم يستطيعون تغيير حالهم، وأن هذا النظام يمنعهم من تغير حالهم بانفسهم، أي كما يقول المثل الشعبي ”لا يرحم ولا يخلي رحمة الله تنزل عليك“، هذا الظرف هو الذي يولد في نفوس الناس شعورا بان الفقر مشكلة سياسية وليست اقتصادية.

هل تعتبر الظرف السابق، اي فهم الفقر كظرف سياسي، العامل الابرز في الانفجار الاجتماعي، أم هو واحد بين عوامل عديدة؟.

هو بالتأكيد واحد من العوامل. لكن يصعب علي تحديد موقعه. وأميل الى الظن بأن موقع كل من العوامل يختلف من مجتمع إلى آخر، بحسب تجربته التاريخية وثقافته السياسية ومضمون علاقة المجتمع بالدولة. بعض المجتمعات أكثر حساسية للوضع المعيشي، وبعضها اكثر حساسية لقضايا الهوية، وبعضها أكثر حساسية للكرامة والاحترام الشخصي. كما ان تعريف الفقر بذاته يختلف بين بلد وآخر، بين الريف والمدينة، بل حتى بين الطبقات الاجتماعية في مدينة واحدة. يختلف الناس في تحديد ما يعتبرونه فقرا، بحسب نمط معيشتهم وبحسب المستوى العام للمعيشة في البلد، إضافة الى تقديرهم لكفاءتهم وما يستحقونه تبعا لها.

نعود الى النقاش حول ما أسمي بالربيع العربي. نعرف أنه جاء بشكل مفاجيء وبعد سنوات طويلة نسبيا من تراجع التحركات الاصلاحية في العالم العربي ككل. فهل لهذا دلالات محددة؟.

ثمة عوامل عديدة، وبعضها متضاربة، ذكرها الباحثون كأسباب محتملة لماحدث منذ أواخر 2010. لكن لفت انتباهي ان ابرز أمثلة الربيع العربي، أعني ما جرى في مصر وتونس وسوريا، بدأ باحتجاج على تعسف الشرطة. في تونس أشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه في ديسمبر 2010 بعدما صادرت الشرطة المحلية عربة خضار يجني منها عيشه. وفي مصر تعرض الشاب خالد سعيد للضرب حتى مات على يد رجال الشرطة في يونيو 2010، وفي سوريا اندلعت التظاهرات في مدينة درعا الجنوبية احتجاجا على اعتقال الشرطة لعدد من الشبان وتعذيبهم في مارس 2011 ردا على كتابة شعارات حائطية معادية للحكومة.

هذا قد يشير الى فجوة ثقة خطيرة بين الجمهور والنظام الأمني، على نحو يضع الأجهزة الأمنية في موضع المتهم الرئيس باضعاف السلم والأهلي والاستقرار. وهو عكس دورها المفترض.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.