آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 11:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

«56» التيار الاسلامي في الربيع العربي

الدكتور توفيق السيف *

ثمة آراء متضاربة تجاه دور الاسلاميين في الربيع العربي. تجربة تونس والعراق ومصر وسوريا وليبيا حملت بعض المراقبين على تكرار مقولة قديمة فحواها ان الجماعات الاسلامية غير مؤهلة لقيادة الدولة.

اظن ان هذا الحكم ينطوي على قدر من المبالغة، رغم انه ليس بعيدا عن واقع الحال. هناك بطبيعة الحال تيارات وشخصيات اسلامية ناضجة وقد شاركت في السلطة فعلا، ولم تكن دون منافسيها. لكن اتفق معك على ان الاسلاميين لم يكونوا موفقين في تجارب عديدة. لكن يهمني الاشارة الى ان هذا القول لا ينبغي ان يؤخد كمبرر لاقصاء الاسلاميين من الحياة العامة. ان مشاركتهم فيها هي الوسيلة الوحيدة لتدريبهم، وتدريب النخبة السياسية بشكل عام على ادارة نظام سياسي ذي قاعدة اجتماعية عريضة ومتنوعة.

كنت قد كتبت في سنوات سابقة مقالات عديدة، تدعو الى انخراط التيار الاسلامي في الحياة السياسية. وطرحت هذا كأحد الحلول الضرورية للتوترات المرتبطة بالدين والهوية. كما تحدثت حينها عن الحاجة الى مساعدة الاسلاميين على اكتشاف الواقع. كنت ارى كثيرا من الاسلاميين، سيما رجال الدين، يتحدثون عن الدولة والعمل السياسي ومشكلات بلدانهم، بمنطق بعيد جدا عن واقع الحياة السياسية وحركة الدولة.

اعتقد ان قليلا منهم يستوعب بعمق اشكاليات السياسة وآليات الادارة الرسمية، أما الاكثر فيخلط بين الكلام الخطابي والعمل السياسي. وهم يتحدثون غالبا الى عامة الناس غير المطلعين على ما يجري في البلد، لهذا لا أحد يجادل طروحاتهم أو يطالبهم بالتدليل على ما يقولون. لازلت أدعو الى انخراط التيار الديني في السياسة الواقعية، كي يكتشف المسافة بين الصور التي يقرأها في كتب التاريخ، وبين واقع الحال في هذا العصر. هذا سيؤدي - في اعتقادي - الى انضاج التجربة السياسية للتيار، وتطوير التقاليد السياسية للبلد ككل، إضافة الى عقلنة الجدل السياسي، وجعله يدور حول ما هو ممكن وما هو مطلوب، وليس حول المقارنات بين مايجري في عصرنا وما جرى في القرون السالفة.

فيما يخص دور التيار الاسلامي في الربيع العربي، فاني أميل الى الاعتقاد بأن كافة الجماعات السياسية فوجئت بما حدث، ولم تكن تخطط له أو تتوقع حدوثه. لكن جمهورها انخرط في الحراك الشعبي، في بداياته أو التحق به بعد انطلاقه، فأصبحت الجماعة جزء من هذا الحراك. هذا ما حدث في مصر وسوريا وتونس واليمن مثلا. وبعضها بقي مترددا إزاء الحراك الأهلي، رغم ان جمهوره التحم به، لكنها انضمت لاحقا الى العملية السياسية، وشاركت في الانتخابات أو أنشأت احزابا قانونية.

حماسة الجمهور لمساندة التيار الاسلامي، كانت ثمرة لاعتقاد عام بأنه يمثل الفرصة الأفضل لاصلاح الحياة السياسية وتطهيرها من الفساد.

في داخل الجماعات نفسها كان ثمة اعتقاد بين الاعضاء والانصار، بانهم يملكون الحل لمشكلات السياسة. لكن الجميع، الجمهور والناشطين، اكتشفوا بعد فترة وجيزة من تجربة السياسة الفعلية، ان خلق الحلول وتطبيقها، عالم مختلف عن الخطب الحماسية والكلام التعبوي. ولهذا حدثت انشقاقات في داخل كل الجماعات تقريبا، كما تراجعت ثقة الجمهور بها.

واستطيع القول بشكل إجمالي ان ما جرى كان فرصة لعقلنة العمل السياسي في العالم العربي، أي جعله أكثر واقعية واستيعابا للأولويات الوطنية وحقائق الساحة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.