آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 12:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

«58» السلطة كغنيمة

الدكتور توفيق السيف *

فيما يخص النقطة الثانية، اي الدور المزدوج للجماعات الدينية التي تصنف نفسها ضمن المجال الاهلي، وتحاول في الوقت نفسه، استخدام الدولة. ماذا تعني بقولك انها نقيض للدولة ومشروعها؟.

من حيث المبدأ، تعتبر الجماعات السياسية المستقلة عن الدولة، سواء كانت معارضة أو موالية لها، عنصرا ضروريا في الحياة السياسية، يكمل مهمة الدولة، ويعينها على كشف الأخطاء وتنظيم وعقلنة مطالب الجمهور، وتدريب الأجيال المتوالية من النخب السياسية والاجتماعية. لكن اداءها لهذا الدور، مشروط بوجود نظام قانوني يحدد بوضوح مكانة الحزب السياسي ودوره في المجال العام.

مثل هذا النظام القانوني ينبغي ان يكون مستمدا من نصوص دستورية صريحة، يقرها الجميع كسقف فوقهم جميعا: الدولة والمجتمع والاحزاب السياسية، ويؤكد اعتراف كل طرف بالآخر بما هو، اي بواقعه القائم، سواء كان يرضي الأطراف الأخرى او العكس.

واقع الحال في العالم العربي مختلف تماما. حتى الدول التي يقر دستورها بحق تشكيل الأحزاب السياسية، تتعامل حكوماتها مع الأحزاب القائمة باعتبارها تهديدا، لا باعتبارها عونا على مهماتها. الحقيقة ان الدساتير في العالم العربي لا تشكل إطارا فعالا للحياة السياسية، فجميع الدول العربية تقريبا تدار بصورة شخصية. ما تريده النخب الحاكمة هو الممكن والفعلي وليس ما يريده القانون. كما ان النخب السياسية، الحاكمة والمعارضة، تنظر الى الدولة كغنيمة، تقاتل من أجل الاستحواذ عليها، وإذا نجحت في هذا المسعى، فهي ستقاوم كل من يحاول مشاركتها فيه أو تقييد امتلاكها له.

تجربة الاحزاب الدينية في هذا المجال، لا تختلف كثيرا عن تجارب منافسيها. في لبنان مثلا، يشارك حزب الله في الحياة السياسية، لكنه - في الوقت نفسه - يحتفظ بميليشيا وكميات من السلاح خارج إطار الدولة. ويعلم الجميع انه قد يستعمله يوما ما لفرض خياراته السياسية على بقية الأطراف. وفي 1994 شارك حزب الاصلاح، وهو الفرع اليمني للاخوان المسلمين في تصفية الاحزاب اليسارية التي كانت شريكة معه في السلطة، واستولى على مواقعها في السياسة والمجتمع. قبل ذلك بثمان سنين، في 1986 اشتبكت اجنحة متصارعة في الحزب الاشتراكي اليمني في جنوب اليمن، في حرب طاحنة أدت الى تصفية الرئيس والعديد من قادة البلاد. وفي السودان جرى قلب النظام الديمقراطي الوليد على يد ضباط ينتمون الى الجبهة القومية الاسلامية - وهي تنظيم منشق على الاخوان المسلمين - عام 1989. وبسبب مفهوم الغنيمة المذكور، فان العسكريين الذين نفذوا الانقلاب، عزلوا قادة الجبهة ووضعوهم في السجن عام 1999.

وفي مصر تردد التيار الاسلامي، سيما الاخوان والسلفيون في دعم ثورة يناير 2011 الشعبية، لكنها بعدما نجحت وحملهم الشعب الى السلطة، استبعدوا كل الأطراف التي شاركت في الثورة من السلطة الجديدة. فكان جزاؤهم ان وقف الجميع ضدهم حين انقلب الجيش عليهم في 2013 بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي. وحاول السلفيون استثمار ابتعاد حلفائهم السابقين عن الانتخابات النيابية في 2015 للانفراد بتمثيل الاتجاه الاسلامي، لكنهم حصدوا هزيمة مذلة، ولم يفز اي من مرشحيهم، مع انهم حصلوا على 22% من مقاعد البرلمان في الانتخابات السابقة.

هذه أمثلة عن واقع التنافس السياسي في العالم العربي، وهناك الكثير من أمثالها في الدولة العربية والاسلامية. وهي كلها تشير الى مشكلة جوهرية تجعل مكانة الحزب السياسي حرجة وغير طبيعية في الحياة العامة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.