آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«59» التيار الديني بين السلطة والشارع

الدكتور توفيق السيف *

الأمثلة التي ذكرتها، تشير غالبا الى حكومات أو أحزاب حاكمة أو شريكة في السلطة، تتنافس على مغانمها. لكن كيف ينطبق نفس المنظور على أحزاب خارج السلطة، أو الاحزاب العاملة في بلدان لا تسمح أساسا بالعمل الحزبي؟.

المشكلة التي ذكرتها لا تنحصر في الاحزاب الحاكمة، فهي سمة عامة في الحياة السياسية العربية. وبالمناسبة فان الوضع في الدول الاسلامية التي نعرفها لا يختلف كثيرا عن هذا. في ايران وباكستان ودول آسيا الوسطى المسلمة، الوضع مماثل الى حد كبير.

على اي حال. فيما يخص البلدان التي لا يعترف نظامها بالحزب السياسي، تميل الجماعات السياسية الى العمل وراء لافتة غير سياسية. وبالنسبة للجماعات الدينية فثمة فرصة واسعة للاختباء وراء الشعارات الدينية، تمكنها أيضا من استخدام ملتقيات عامة مثل المساجد والنشاطات الدعوية. لكننا نعلم انها - في نهاية المطاف - تعمل على صناعة نفوذ اجتماعي، قابل للاستخدام في السياسة، في وقت من الأوقات.

في الكويت على سبيل المثال، يعرف الجميع ان ”جمعية الاصلاح الاجتماعي“ هي المركز الفعلي للاخوان المسلمين - فرع الكويت. وان ”جمعية احياء التراث“ هي مركز التيار السلفي، وان ”جمعية الثقافة الاجتماعية“ هي مركز حزب الدعوة، كما ان مجلة الطليعة هي مركز التيار القومي - اليساري. هذه الجماعات تشارك في الحياة السياسية وفي الانتخابات، وبعضها ممثل بوزراء في الحكومة. لكنه مع ذلك غير قادر على مخاطبة الجمهور باسمه الصريح، لأن القانون لا يسمح بتشكيل أحزاب سياسية.

في المملكة العربية السعودية يتحدث الجميع عن التحولات الثقافية والاجتماعية العميقة التي جرت خلال الحقبة التي سميت بمرحلة ”الصحوة“، اي بين اوائل الثمانينات حتى منتصف التسعينات من القرن العشرين. خلال هذه الحقبة كان المجتمع السعودي كله ميدانا مفتوحا للاخوان المسلمين والتيار المعروف بالسرورية، وهو تيار يجمع بين تعاليم الاخوان والتعاليم السلفية. ونجح التياران الى حد كبير في السيطرة على مرفق التعليم العام بقسميه، الجامعي والعام. واذكر ان وزير التربية السابق الأمير فيصل بن عبد الله اخبرنا خلال اجتماع معه في يناير 2011 انه لا زال يواجه عسرا شديدا في تنفيذ مشروعات تطوير التعليم، بسبب شدة نفوذ التوجهات التي زرعها اعضاء الحزبين المذكورين في حقبة الصحوة. وزير التعليم الاسبق د. محمد الرشيد تحدث هو الآخر عن الضغط الهائل الذي تعرض له، حين حاول اعادة التعليم العام الى مساره وتحجيم النفوذ الحزبي في دوائره ومدارسه[1] .

في التجربة السعودية عناصر تميزها عن غيرها. فهي تنطوي على ما يمكن اعتباره نوعا من النفاق السياسي. التيار المذكور عمل بجد وبصورة منظمة واستهداف مسبق - وهذا ما تبين لنا لاحقا - على تسخير جهاز الدولة واستخدامه في إقصاء معارضيه. وخلال فترة صعوده رسخ مفاهيم نقيضة لفكرة الدولة الحديثة، منها مثلا ان الولاء للوطن نوع من الوثنية، وان الولاء الصحيح هو للدين وأمة المسلمين، وان الحرب من أجل الوطن ليست صحيحة شرعا، وهذه امثلة على منظومة واسعة من الافكار تدور كلها حول نفي الوطن كمفهوم والمواطنة المتساوية كمبدأ. ويعتقد باحثون كثيرون في السعودية ان الافكار التي زرعها تيار الصحوة قد جعلها اكثر نفوذا من الدولة في المجتمع. لكنها - أيضا - مهدت البيئة الاجتماعية لاحتضان التيارات المتشددة التي تمارس العنف، لا سيما تنظيم ”القاعدة“ وما تفرع عنه. جدير بالذكر ان معظم أعضاء القاعدة البارزين كانوا من الناشطين في تيار الصحوة، وبعضهم كان تلميذا مباشرا لزعمائها المعروفين.

زبدة القول ان الاحزاب التي تعمل خارج السلطة، مثل نظيرتها المشاركة في السلطة، تعاملت معها كغنيمة، شأنها في هذا شأن بقية النخب السياسية العربية. وان الاحزاب التي عملت في الجانب الأهلي حاولت دائما اختراق الدولة، لمصلحتها الخاصة وليس من أجل تطوير النظام السياسي، أو تعزيز حقوق ومكاسب الجمهور.

هل ترى ان هناك عقدة مستعصية في العلاقة بين الحزب الديني والدولة العربية؟

أهم الاشكالات التي ترد على الاحزاب الدينية هو انها لا تعترف بالدولة القومية القائمة كوضع نهائي، اي مكتمل الشرعية، استنادا الى القانون الذي يحدد مصادر الشرعية. وهي لا تعتبر المواطنة المتساوية معيارا نهائيا لتأطير العلاقة بين المواطنين، او بينهم وبين الدولة. كما لا تعتبر جميع افراد الشعب متساوين، وانهم جميعا ملاك لارض وطنهم، متساوون في الحقوق والواجبات وأمام القانون. ولهذا يجادلون كثيرا في دين الوزير او المدير ومذهبه ودرجة التزامه، كما يجادلون في حقوق النساء، ولا يعتبروهن متساويات مع الرجال في إطار مبدأ المواطنة. وفي حالات محددة، كما في الكويت والسعودية مثلا، لا يتورع زعماؤهم عن الدعوة الى قمع شرائح من الشعب بكاملها، بناء على اختلافها معهم في الدين او المذهب او المتبنيات الايديولوجية الاخرى.

هذه التوجهات - وهي جميعا مثبتة ومتكررة - تجعل التيارات الدينية، بعضها على الأقل - نقيضا لمفهوم الدولة الحديث، ونقيضا للدولة القائمة، سيما في توجهاتها التحديثية.

[1]  محمد الرشيد : حديث لصحيفة الحياة ، ص1 العدد 17238، ( 15 يونيو 2010).
انظر نص المقابلة على فيفاء اون لاين (الرشيد: شتموني وهدّدوني بالقتل . واعتقدوا أنني لا أصلّي وأكره المتدينين!)
http://www.faifaonline.net/faifa/news-action-show-id-5897.htm
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.