آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 9:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

«64» خداع الجمهور، فكرة استعلائية

الدكتور توفيق السيف *

الا تخشى من خداع الجمهور باسم الدين او تحت عباءته؟. انا أشعر ان كثافة الشعار الديني ربما تشير الى تحول الدين الى بضاعة يتاجر بها هذا وذاك.

هذان موضوعان مختلفان. سوف اتحدث عن الثاني لاحقا. لكن فيما يخص الأول، اي دعوى خداع الجمهور، فاني لا اتعاطف معها، حتى لو كانت صادقة في بعض الاحيان. لا أتعاطف معها لانها تصدر عن استهانة - عفوية او مقصودة - بعامة الناس، استهانة بعقولهم واستهانة بقدرتهم على تشخيص مصالحهم. وهو سلوك شائع للاسف بين نخبة المسلمين، قديما وحديثا.

استهانة النخبة بقيمة الجمهور وأهليته، هي المبرر الرئيس لغياب ثقافة المشاركة العامة في تراثنا وفي ثقافتنا المعاصرة. اذا كنا من دعاة المشاركة الشعبية في الشأن العام، فان المنطلق الاساس للمشاركة، هو التسليم باهلية كل فرد وعقلانيته وقدرته على كشف مصلحته، واتخاذ القرار الذي يناسبها وتحمل ما يترتب على ذلك من مسؤوليات وتكاليف. لا بد انك قرأت احتجاجات المعارضين للديمقراطية، ومن ابرزها انكارهم للمساواة بين العالم والعامي في التصويت، وقولهم ان العامة تتعرض للخداع، وتتأثر بالدعاية والاداء المسرحي للاشخاص، فتختار الاكثر قدرة على التمثيل دون الأصلح والأكفأ.

اني مدرك لحقيقة ان الناس يتأثرون بالدعاية، وانهم ينخدعون. لكن أين هو المنزه عن هذا؟. ها نحن نرى فقهاء كبار وقادة سياسيين بارزين، يميلون مع الريح ويتأثرون بالاعلام، وقد يتخذون قرارات تؤثر على مصائر أمم، بناء على تقارير كاذبة أو بسبب الشحن العاطفي. هذا يحصل أمامنا كل يوم، في كل بلدان العالم. فلماذا نقبل هذا من النخبة ولا نقبله من العامة؟. اني لا اقول ان هذا شيء طيب او مطلوب، لكني أقول انه وضع طبيعي، يتعرض له عامة الناس ونخبتهم دون أدنى فرق.

لهذا السبب فاني لا أتعاطف مع قول من يقول ان استعمال الشعار الديني ينطوي على خداع للجمهور، ليس لأن الخداع مستحيل، بل لأني أنظر للانسان الفرد ككائن عاقل، مدرك لما يفعل ومسؤول - بصورة شخصية - عن قراراته وأفعاله وخياراته.

حسنا. انت تقر بأن عملية الخداع قائمة. سوف اترك مسألة التعاطف جانبا. لكني افترض انك تعتبر الخداع عملا سيئا، سواء كان باسم الدين او أي اسم آخر. هل لدينا وسيلة مناسبة للتعامل معه، واعني خصوصا التعامل مع الخداع الذي يستخدم الدين.

اتفق معك في ان الخداع أمر سيء. ولهذه المناسبة أقول للتقليديين الذين يظنون ان الانتخابات في الاقطار الديمقراطية قائمة على الخداع، اقول لهم ان هذا وهم كبير، يسوقه بعض النخبة الذين يخشون من استعادة المجتمع لقراره وتأثيره في الشأن العام. القوانين التي تكفل حرية المعلومات وحرية الصحافة وحرية المنافسة على المناصب العامة، أدوات قائمة وفعالة في المجتمعات المتقدمة، وهدفها الرئيس هو مكافحة الخداع. شهدت اجتماعا لشخص رشح نفسه للانتخابات البلدية في بريطانيا، وتلا في بداية الاجتماع قائمة من الوعود. وحين انتهى، سأله رجل عجوز عن الكلفة المالية لتحقيق كل وعد من الوعود التي ذكرها، ومن أين سيأتي بالمال الاضافي الذي تحتاجه هذه المشاريع. وهل سيقترح فرض ضرائب اضافية على الناخبين، وهل سيقول ذلك صراحة للناخبين؟.

كان هذا نقاشا انتخابيا بين مرشح يتهيأ للانضمام الى النخبة، وبين اشخاص من عامة الناس. ويدور مثله بين الصحافة والمرشحين والوزراء والنواب وكل شخص يتولى منصبا في البلد.

علاج الخداع واضح إذن، وأختصره في ثلاث نقاط:

أ» العلنية وحرية الوصول الى المعلومات.

ب» التعددية وحرية المنافسة على المناصب العامة.

ت» حرية الصحافة.

اذا وضعنا هذه العلاجات الثلاث قيد التطبيق، فلن يكون ثمة فرق بين خداع باسم الدين او خداع باسم الايديولوجيا، او خداع باسم المصلحة او اي نوع اخر من انواع الخداع. اعتقد بعمق ان المخادعين موجودون دائما، في كل المجتمعات والظروف. وافضل ظرف للخداع هو هيمنة المخادع على المجال المحيط بالجمهور، بحيث لا يصل اليه سوى صوته، ولا يعرف أحدا سواه. حين تتاح الفرصة للاصوات الأخرى، فان كلا منها سيكشف عيوب الآخر، وهكذا ينفضح الخداع ويتعرى.

البعض يتحدث عن قداسة رجال الدين واتباع الناس لهم دون تبصر. وهذا صحيح لان المجال العام مغلق على غيرهم. القداسة المصطنعة تنمو في ظروف الجهل والانغلاق والاحادية السياسية او الثقافية او الدينية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.