آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«66» شراكة التراب

الدكتور توفيق السيف *

في محاضرة لك بمنتدى المرحوم د. راشد المبارك بالرياض «2 يناير 2011» ذكرت ان مفهوم الوطن الجديد يتألف من ثلاثة عناصر اساسية: ”ارض وعقد ومشاركة نشطة“. ما المقصود هنا بالعقد والتعاقد، وهل سيتأثر بما يجري اليوم من حوادث؟.

الناس يملكون حق المشاركة في القرار لأنهم يملكون ارض وطنهم، ملكية شرعية على وجه الشياع. ومن المفهوم في الشرع والقانون ان الملكية هي أقوى مصادر الحق. ملكية كل فرد لحصة في تراب الوطن هي التي تعطيه حق المشاركة في القرار السياسي. وهو ما نسميه بالمشاركة الشعبية. تنظيم هذه العملية يجري في اطار ما يسمى بالعقد الاجتماعي. العقد الاجتماعي عبارة عن اتفاقية ذات بعدين. البعد الاول عبارة عن توافق بين الناس انفسهم حول تكييف علاقتهم مع بعضهم، ادارة امورهم المشتركة، تقرير مستقبلهم المشترك، كيفية حل النازعات بينهم اذا حدثت.. الخ. هذا ينتج ما نسميه ”الاجماع الوطني“.

البعد الثاني عبارة عن توافق بين مجموع الناس وبين طائفة منهم، موضوعه هو تنفيذ العقد، أي ادارة ا لعلاقة بين اعضاء المجتمع، وحسم التنازعات وتعارضات المصالح فيما بينهم، وحماية المجتمع من العدوان الخارجي، وتنظيم الاعمال المشتركة التي لا يستطيع القيام بها كل واحد بمفرده.. الخ. اي مجموع المهمات التي نعرف اليوم انها محالة الى الحكومة. الحكومة في المفهوم الحديث للدولة عبارة عن هيئة اجتماعية تعمل بوصفها وكيلا عن المجتمع في ادارة الاعمال التي تقتضي اشتراك المجموع، او قيام أحد بها نيابة عن المجموع.

جوابك هذا يثير أسئلة عديدة، سأبدأ بمفهوم ”الوطن“ الذي اعتبرته جديدا. ماذا تعني بالجديد، هل هناك مفهوم قديم وجديد للوطن؟.

نعم. مفهوم ”الوطن“ الذي نتداوله الآن جديد في الفكر السياسي. وترجع ولادته الى ما بعد ”معاهدة وستفاليا“ عام 1648. كان الغرض من هذه المعاهدة هو انهاء الصراعات الدموية بين ملوك اوربا حول الحدود، وهي صراعات سببها عدم الاتفاق على مفهوم نهائي للسيادة الوطنية. كانت حدود أي دولة هي الموقع الذي يتواجد فيه جيشها. وهي حدود تتقلص او تتوسع بحسب حركة الجيش وموازين القوى. وكان التبرير الدائم لتغير الحدود، هو الدفاع عن رعايا لهذا الملك أو ذاك يعيشون في ظل ملك آخر. والمقصود بالرعايا، السكان الذين يشتركون مع حكومة معينة في اللغة او الدين، لكنهم يسكنون في ظل حكومة لها دين او لغة مختلفة.

فكرة الاتفاق هي اعتراف الدول الموقعة بأن حدودها القائمة يومئذ، نهائية، يعترف بها الجميع ويمتنعون عن تجاوزها. وان الرعايا القاطنين ضمن هذه الحدود مواطنون للحكومة التي تملك السيادة على الارض، ايا كانت قوميتهم او دينهم. وان اي حكومة اخرى لا علاقة لها بهم، حتى لو اشتركت معهم في الدين او العرق او اللغة. من هنا ارتبط مفهوم الدولة بارض لها حدود تعترف بها بقية الدول، واصبح لها سيادة على تلك الأرض، وأصبح سكانها مواطنون في دولة محددة، وهم - بنفس المعنى - أجانب بالنسبة للدول الأخرى. وعلى سبيل المثال فالكاثوليكي الذي يعيش في انجلترا، والشخص ذو الاصول الفرنسية الذي يعيش في سويسرا، يعتبرون أجانب بالنسبة الى فرنسا الكاثوليكية. وليس لملك فرنسا علاقة بهم ولا يحق له التدخل في شؤون البلدان الأخرى بحجة الدفاع عنهم.

هذا المفهوم لم يكن موجودا في العالم قبل تلك الاتفاقية. وهو طبعا غير موجود في تراثنا الاسلامي والعربي. البدائل التي نجدها في تراث المسلمين هي مفهوم ”الجماعة“ ومفهوم ”الأمة“ التي يربط بين اعضائها الايمان بدين واحد، بغض النظر عن بلدهم او قوميتهم.

أود الاشارة هنا الى ان تعبير الوطن ليس غريبا عن التراث العربي والاسلامي. لكن معناه مختلف عن المفهوم الجديد. وتجده غالبا في دواوين الشعر وكتب الفقه في معنى القرية او مسقط راس الانسان. ويتردد هذا المفهوم بوضوح في احكام السفر مثل قصر الصلاة والافطارفي رمضان. وكذلك في كلام الشعراء عن طفولتهم وقديم ذكرياتهم. ولايخفى الفارق بي هذا المفهوم ونظيره المعاصر.

وربما لهذا السبب استشكل رجال الدين في بلدنا على مفهوم الوطن حين كثر الحديث عنه في العقد الأخير من القرن العشرين. وأصروا على ان الرابطة الجمعية بين المسلمين هي رابطة الدين وليس المواطنة. فهم بهذا القول يعبرون عن المعنى القديم الذي تعرفوا عليه في كتب التراث. وقد عرضت بعض التعبيرات عن قلقهم في مقالة منشورة على مدونتي.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.