آخر تحديث: 29 / 2 / 2020م - 1:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نبي ضد التمييز

المنقذ بعد ولادته «2 من 2»

بدر شبيب الشبيب *

عودة للآية: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ «7» القصص.

وضعت أم موسى مولودها المبارك، ولكن الطغاة يفسدون على الناس حتى أسعد لحظات حياتهم، وينكدونها بالمنغصات. فها هي في خوفها الشديد عليه لا تدري ما تفعل، حتى كأنها ذهلت عن رضاعته، فجاءها الوحي مهدئا روعها طالبا منها أولا القيام بإرضاع وليدها ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ، وهل تغفل أم رؤوم كأم موسى عليهما السلام عن هذا؟! ولكنهم الطواغيت وما يفعلون. فقد انصب تفكيرها على المصير المحتوم الذي سيلقاه هذا المولود علي يد فرعون وجلاوزته، فأذهلها عن كل شيء.

لذا كان الطلب الأول إرضاع موسى ، وهذا يبين أهمية الرضاعة الطبيعية وآثارها، وهو ما كشفه العلم الحديث. أما الطلب الثاني فكان مشروطا بحالة ما إذا شعرت بأنه في خطر داهم، فعندئذ عليها أن تلقيه في اليم ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ أي أن ترميه في النهر تاركة مصيره ليد الله تعالى وعنايته، كأنها بذلك تفوض عمليا أمرها وأمره إلى الله البصير بالعباد بعد إعياء الحيلة.

ثم نظر الوحي إلى مشاعر الأمومة لديها فطمأنها بأن لا تخاف عليه من الغرق، وأن لا تحزن لفراقه لأنه بعين الله سيعيده إليها في أحسن حال وسيجعله من المرسلين، وهل أعظم من هذا بشارة.

وقفات

الوقفة الأولى: عن الوحي، وما المقصود منه. الوحي - كما يقول أهل اللغة - هو الإعلام بطريق خفي بصرف النظر عن الموحي أو الموحى إليه أو الموحى به.

فالله يوحي للأرض ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا[1] ، ويوحي للنحل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ[2]  ويوحي للمؤمنين ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ[3]  ويوحي للملائكة ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ[4]  ويوحي للأنبياء والرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى[5] ، فهو من الله مراتب. والإنسان قد يوحي لأخيه الإنسان ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا[6]  والشياطين يوحون إلى أتباعهم ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ[7] .

فالوحي لأم موسى كان نوعا من الإعلام الرباني الخفي لها عن طريق الإلهام. وهو يكشف عن مستوى عالٍ من الصفاء الروحي الذي بلغته هذه المرأة العظيمة حتى أصبحت محلا لإلهام الله تعالى. تماما كما بلغت ذلك المقام وأعظم السيدة زينب حتى نالت الشهادة / الوسام من الإمام السجاد بأنها عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة.

الوقفة الثانية: في سورة طه حديث عن وحي آخر لأم موسى حين اقترب الخطر من مولودها، فجاءها الوحي بأسلوب مختلف وبنبرة أسرع وأشد وقعا: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى «38» أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي «39» سورة طه.

الموقف هنا يتطلب سرعة في الإنجاز والتخلي عن بعض الأمور لأن المهم هو إنقاذ حياة الطفل. فبالتالي تغير الخطاب من ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ إلى ﴿اقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فالقذف هو الإلقاء بسرعة وقوة. إذن كان الأول تمهيدا وتهيئة، وكان الثاني ساعة الصفر، فالوقت ضيق لا يتسع لممارسة الحنان والشفقة، كما يقول الشيخ الشعراوي في خواطره.

الوقفة الثالثة: عن التابوت. تقول الرواية عن الإمام الباقر : «وأنزل الله على موسى التابوت، ونوديت أمه: ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم، وهو البحر، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فوضعته في التابوت، وأطبقت عليه، وألقته في النيل»[8] .

هذا التابوت أصبح له شأن عظيم فيما بعد عند بني إسرائيل. في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ، تقول الرواية: «وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى فوضعته فيه أمه فألقته في اليم، فكان في بني إسرائيل يتبركون به فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آيات النبوة وأودعه يوشع وصيه فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم، فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم، فلما سألوا النبي بعث الله طالوت إليهم ملكا يقاتل معهم رد الله عليهم التابوت كما قال الله: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ[9] 

هكذا كان هذا التابوت الذي هو من آثار النبي موسى مباركا، بل كان لتقديره وتعظيمه دور في دوام العز والشرف في بني إسرائيل. وما ذلك إلا لما يمثله من قيمة عليا يكون تعظيمها تعظيما لحرمات الله الذي هو من تقوى القلوب.

الوقفة الرابعة: هذه الآية - كما ذكر جمع من المفسرين - على وجازتها آية في البلاغة القرآنية المعجزة، فقد احتوت على أمرين ونهيين وبشارتين؛ أمرين ﴿أرضعيه، فألقيه ونهيين ﴿لا تخافي ولا تحزني وبشارتين ﴿إنا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين.

الوقفة الخامسة: لقد بلغت أم موسى مرتبة إيمانية عالية تمثلت في تسليم أمرها وأمر مولودها إلى الله، فنفذت وحي الله إليها دون تردد واثقة من صدق وعده. ومن الصعب علينا أن نتصور أما تلقي مولودها في النهر، أي في فم الموت، تسليما لأمر الله تعالى، ولكنه الإيمان الراسخ.

الوقفة السادسة: نلاحظ الدور الكبير للمرأة في حياة نبي الله موسى ، بدءا بأمه أم موسى، ثم أخته، ثم أهله، ثم امرأة فرعون. وهي أدوار إيجابية عظيمة ساهمت في حفظ الرسول والرسالة.

[1]  الزلزلة 5
[2]  النحل 68
[3]  المائدة 111
[4]  الأنفال 12
[5]  يوسف 109
[6]  مريم 11
[7]  الأنعام 121
[8]  البرهان في تفسير القرآن، ج 4، ص 256
[9]  تفسير القمي، ج 1، ص 81