آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خطاب الكراهية بيننا وبين «ترامب»

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

أكثر دول العالم تحضرًا وحداثة وديمقراطية، يمكنها أن تقدم «دونالد ترامب» مرشحًا للرئاسة دون أن تشعر أنها بذلك «تنكص» على أعقابها وتتنكر لمبادئها، وتعود إلى البدائية والتخلف.

مرشح حزب المحافظين في السباق الرئاسي الأميركي قال قبل يومين إن بلاده يجب أن تفكر جديًا في إجراءات تستند إلى «فرز نمطي للأقليات»، ومنها المسلمون، عبر إخضاعهم لمزيد من إجراءات الفحص والتدقيق من أجل احتواء هجمات إرهابية.

«فرز نمطي»، شبيه بدعوته السابقة وضع «شارات» تميّز المسلمين عن غيرهم، وهي ليست بعيدة عما كان يفعله النازيون في ألمانيا التي قَدِمَتْ عائلتُهُ منها، حيث أرغم النازيون السكان اليهود في أحياء «الغيتو» في العام 1938 على ارتداء شارة نجمة داود الصفراء لتمييزهم عن سائر المواطنين، وبهدف الحطّ من كرامتهم، وظلّ اليهود يحملون هذا الوسم على صدورهم حتى سقوط برلين سنة 1945. فأي ردّة حضارية يقدمها المرشح ترامب للعالم الحرّ.

يستمد خطاب الكراهية طاقته من روح استعلائية، استحواذية، وإقصائية، أكثر من كونه يستفيد من أخطاء الآخرين، أو الخوف منهم، أو الرغبة في الانعزال عنهم.

خطاب الكراهية متعدٍ ومهاجم واقتحامي، وليس سلاحًا دفاعيًا كما يروج أنصاره، بهذا الخطاب يجري تسويغ كل الارتكابات الجائرة بحق الآخرين. وتحت ظلّ هذا الخطاب يُجّرد المستَهدفون من حقوقهم المدنية والإنسانية، ومن حقهم الأعلى في الحياة، فيصبحوا مجرد «أهداف» في ميدان الرماية.

ويؤجج هذا الخطاب الصراعات والأحقاد، وهو أكبر معطل ومعيق للمشاركة فضلاً عن القيادة والزعامة. يفقد أصحاب هذا الخطاب دورهم الطليعي، بوصفهم رافعة للأمة والمجتمع ويصبحوا غير مؤتمنين على السلم والتعايش الإنساني. وهذا أقل ما يلحقه مثل خطاب ترامب بالدولة الأعظم في العالم.

قال ترامب في مقابلة مع محطة «سي بي إس» التلفزيونية: «أكره مفهوم الفرز النمطي، لكن يجب أن نعتمد المنطق ونستخدم عقولنا، وهو ما لا نفعله الآن بخلاف دول مثل إسرائيل وغيرها التي تستفيد من هذا الإجراء».

تجربة إسرائيل لا تشّرف الولايات المتحدة، ولا تشرّف العالم الحرّ، ولن تضيف شيئا لرصيد الحضارة الإنسانية، لأنها من خلال ما يدعو له «ترامب» ب «الفرز النمطي»، أقامت نظامًا أشبه ب «الأبارتايد» أو «الفصل العنصري»، وهو نظام ليس فقط ساقطا أخلاقيًا وإنسانيًا، ولكنه عاجز عن توفير الأمن والحماية للسكان الذين يزج بهم في بحر من الكراهية والاستهداف.

لكن، ما الذي يجعل كلام «ترامب» رديئًا ومثيرًا للاشمئزاز؟ إذا كنا نتبنى خطابًا مشابهًا وأحيانًا يتفوق عليه في الحدّة والتطرف والعنصرية؟. ميزة خطاب ترامب أنه كان لاذعًا ومؤلمًا ومحبطًا، لأنه استهدفنا ولذلك شعرنا به، أما حين يكتوي الآخرون من خطابات الكراهية التي نطلقها نحنّ أو نغضّ الطرف عنها فذلك لا يمسّ إحساسنا بشيء.

الثقافة الأميركية القائمة على التسامح والمشاركة هي السدّ المنيع في وجه هذا الخطاب، والمضاد الحيوي للجنوح نحو الكراهية، وهي كفيلة بمعالجة ظاهرة ترامب وتوابعها. لكن ماذا نملك نحنُ من تراث وثقافة يمكنهما ترويض مثل هذه النزعات القائمة على تقسيم المجتمعات وإشعالها بالفتن والاحتراب.