آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«صدمة» هنا.. و«صدمة» هناك!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

السعوديون في «صدمة»، والبريطانيون في «صدمة» أخرى. لكن ليست كل صدمة سيئة. بعض المجتمعات تحتاج إلى صدمات توقظ إحساسها بالذات، وتشعل الوعي بالمخاطر الكامنة، وربما أمكنها تحسس الطريق نحو الأحسن.

صدمة السعوديين كانت قوية ومحيرة، حين تجرأ شابان توأمان على قتل أمهما العجوز طعنًا بالسكاكين والسواطير، وإصابة والدهما وشقيقهما. لم تكن جريمة عادية تحدث بفعل تعاطي المخدرات أو نتيجة لمرض عصبي. وقعت الجريمة تحت دافع ديني وفكري متشدد. فالتوأمان اللذان وُصِفَا بأنهما ينتميان إلى فكر «داعش» تبرءا من أمهما وأبيهما، ثم أشهرا السكاكين والسواطير في وجهيهما. سبق هذه الجريمة وتلاها قيام متشددين بقتل أقاربهم أو حتى إخوانهم، لكن الوصول إلى الأم والأبّ كانت الصدمة الأشد عنفًا على ضمير المجتمع.

على وقع تلك الصدمة الدامية المرعبة التي وقعت في شهر رمضان، تساءل السعوديون: من المسؤول..؟، كيف نشأ هذا الفكر «الداعشي» المتطرف المشحون حقدًا وكراهية ونكرانًا للجميل؟، من المسؤول عن تغذية أبنائنا بهذا الفكر التدميري الذي يستبيح الدماء حتى الأبوين..؟. راح السعوديون في حماة الصدمة يفتشون عن السبب؛ أول المتهمين كانت «المناهج»، والنمط الفكري المتعصب وغير المتسامح الذي يتلقاه الشباب من المدرسة والمسجد والبيت والشارع ووسائل الإعلام. وصولاً لتفتيش الكتب والفتاوى القديمة المحرضة على القتل والكراهية.

آخرون أقاموا حائط دفاع لمنع الولوج إلى ما يعتبرونه ثوابت ومسلمات. وقاموا بحفر الخنادق حول الحصون الفكرية التي يحرسونها لمنع التسلل إليها أو كشف ثغراتها. لكنّ مجرد نقد الذات ونقد الفكر والثقافة التي نحملها ونزع رداء القداسة عنها أمرٌ في غاية الأهمية، وطريق ضروري للإصلاح، جريمة التوأمين «الداعشيين» جعلت الجميع يعرف خطورة التكفير والتحريض على العنف والكراهية، وإلى أين يمكن أن يصل بالدولة والمجتمع.

في نفس الأسبوع، أصيب البريطانيون بصدمة مختلفة، حين أدى الاستفتاء إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقعت نتيجة الاستفتاء على بريطانيا كالصاعقة، «كأن من صوتوا لصالح هذا الخيار لم يتوقعوا بل لم يريدوا أن يحدث ذلك»، على حد تعبير ال «صنداي تايمز». صُدِمَ البريطانيون حين اكتشفوا أن حفنة من عجائزهم ومتقاعديهم فرضوا رؤيتهم على الشباب وحددوا مصير مستقبلهم. أظهر التصويت أن الفئات العمرية من 50 حتى 64 كانت الأكثر تصويتًا لصالح الخروج من الاتحاد على حساب الشباب الذين يملكون عمرًا أطول لمواجهة ثمرات هذا الخيار. أصيب الشباب بالخيبة، لأن كبار السنّ غلبوا هواجسهم ومخاوفهم من تأثيرات الهجرة القادمة من بلدان مثل بولندا ورومانيا وبلغاريا على الطبيعة الديمغرافية لمجتمع كان في الأساس يستعمر أكثر من نصف الكرة الأرضية.

عشية إعلان النتائج استيقظ البريطانيون على صدمة الحقيقة بأنهم ليس فقط سيكونون معزولين في أوروبا، بل أن بلادهم العريقة مهددة بالانقسام والتفكك. على الصعيد الفكري طرح الاستفتاء السؤال عن جدوى الشارع، الحامل الرئيسي للنظام الديمقراطي. صحيفة «الإندبندنت»، قالت إن «خروج بريطانيا يذكرنا بأن بعض القرارات يجب أن لا تقرر من قبل الشارع».

في كتابه المهم «سيكولوجية الجماهير» الصادر عام 1895 يصف المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع الشهير جوستاف لوبون الجماهير في بعض صورها بالكثرة اللاواعية والعنيفة والبربرية، والتي يتم على يدها الانحلال النهائي لعصر ما، أو مجتمع ما، بعد أن تفقد القوى الأخلاقية أو الهياكل الرسمية التي تحكم، زمام المبادرة من يدها. بدت بريطانيا تحت تأثير التجييش العاطفي الانفعالي، وبدا هذا الشعب العريق بقيمه الديمقراطية كأي شعب آخر يمكن التأثير عليه حيث - كما يقول لوبون: «لا شيء مدروس لدى الجماهير، فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف، وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق، وذلك تحت تأثير المحرضات السائدة».

ما يجمع الصدمتين أنهما طرحا السؤال الأهم: أين نحن وإلى أين نتجه؟