آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 4:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

«ظاهرة الإلحاد».. إني أتهم!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

الجديد في نقاشات المتدينين هذه الأيام هو ما يسمونه «ظاهرة الإلحاد». هم عادة مشغولون في إخراج الناس من الدين، وطردهم من ربقة الإسلام، والاستيلاء الرمزي على المظلة الدينية التي تسعى كل جماعة لتفصيلها على مقاسها لا يقاسمها أحد.

لكنهم اليوم، بمختلف أطيافهم، مهمومون بما يسمونه «ظاهرة الإلحاد»، والحقيقة أنها ليست ظاهرة، وليس معلومًا ما إذا كان مصطلح «الإلحاد» منطبقًا على الحالات القليلة والنادرة التي جهر فيها بعض الشباب بأفكار تراها جماعتهم الدينية إلحادًا. غير أن هذا القلق حميد ومفيد لأنه «ربما» يمنح هؤلاء شغلاً في إصلاح بيتهم الداخلين ومعرفة لماذا يغادره الشباب، أو يتمردون على مناهجه وأساليبه ورؤاه.

إن هذا القلق يمكن أن يفضي إلى مراجعة فكرية هامة للخطاب الديني، منهجًا وأسلوبًا، ومقاصد وغايات. مراجعة تنقله من وسيلة لقمع الفكر، والسيطرة على العقول، واستتباع الناس، إلى منهج خلاق محفز للإبداع، محرك للحرية في القراءة والتحليل والاستنباط. مراجعة يمكنها أن تجري مصالحة بين الإنسان المتدين والعالم الحديث، بحيث لا يصبح غريبًا في هذا العالم، ولا عبئًا عليه، بعد أن يتخلص من إرث الشك والريبة الذي تحيطه القراءة المتعسفة للنصّ الديني، فتجعل منه معاديًا لمن حوله، خصمًا عدوانيًا لكل من يختلف معه. مراجعة يمكنها أن تصالح الإنسان مع الحياة والبيئة والمرأة والفن والمجتمع المتعدد الهويات والثقافات وأنماط التفكير المختلف.

إن هؤلاء المهمومين بإعلان عدد قليل جدًا، ومحدود، من الشباب تبنيهم لفكر إلحادي، عليهم أن يناقشوا هؤلاء الشباب، ويتعرفوا على دوافعهم، ولا يكفي رجمهم بالتهم المعلبة، أو قذفهم خارج الجماعة الدينية. فعلى مرّ التاريخ، كان المثقفون غير المؤمنين، الذين كانوا فلاسفة وعلماء كلام ومنطق، يعيشون مع أهل التدين ضمن بيئة واحدة، وكتب العقائد تشهد لجولات طويلة ومباحث في الحوار والسجال والمناظرة، دون أن ينقطع حبل الوصل بين الطرفين.

لعل أول ما ينبغي فعله هو نقد الذات.. لماذا عجزنا عن إقناع بعض الشباب بأننا نحمل خطابًا تقدميًا يلبي حاجتهم للحاضر والمستقبل؟ لماذا ساهمنا في تعميق الفجوة بين الدين «كحضارة» والشباب، فأصبحوا ينظرون إليه على أنه معاد للحرية، وخصم لدود لحقوق الإنسان، وعبء على التواصل الحضاري مع الأمم والشعوب، وطريقة قديمة لفهم الواقع، ومنهج متخلف للتفكير البناء؟!

بعض الخائفين من هروب الشباب من الدين هم أنفسهم سبب في إضعاف الثقة بهذا الدين العظيم. لقد أصبح الدين بفعلهم طقوسيًا خاويًا من المضمون، أو مثيرًا للتعصب والكراهية والعنف. فعبر هذين الأسلوبين، يمكن اجتذاب شباب موالين يتحولون إلى جنود في يد الجماعة الدينية توظفهم كيفما تشاء، لكنه أيضًا يمكنه أن ينّفر مجموعات أوسع من الشباب من هذا الدين، ويضع بينهم وبينه فاصلة شعورية تتعمق مع الزمن.

وكأن المفكر عبد الله القصيمي بيننا هذا اليوم وهو يتحدث، في كتابه «هذي هي الأغلال» الذي ألفه عام 1946، قائلا: «هؤلاء المشايخ الذين دعوا إلى الجهل، ومدحوا الجنون ونقصان القوى المدركة، قد عملوا على إبقاء من ابتلوا بالإيمان بأقوالهم في شرك الجهل وأغلال الغفلة، دون أن يستطيعوا النجاة والهرب إلا بقوى أخرى أدبية تنتزعهم انتزاعًا». ويضيف مقترحًا الحلّ: «فالواجب علينا إذن أن نحطم هذه الأقاويل، وأن نحطم أصحابها إن كان لا بد من تحطيمهم، بلا شفقة، وأن نضع من جديد أقاويل صارمة ومبادئ قوية تدعو إلى العلم المطلق، بلا قيد أو شرط، وتمدح العلوم كلها، وتمزق الجهل وكل ضعف فكري تمزيقًا لا يُبقي باقية».