آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

انقلاب تركيا.. «العلمانية» هي الحل!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

إذا صدق الرواة، فإن مرّة بن شيبان، زعيم البكريين في حرب البسوس ووالد جسّاس قاتل ابن عمه كليب بن ربيعة التغلبي، تنبأ قبيل نشوب الحرب بمآلاتها السوداء. قال موبخًا من زَعَمَ أن حرب الحَييْن؛ بني بكر وتغلب، ليست سوى «مناوشة قصيرة» بين أبناء العمومة، قائلاً: لا تُخطئ، فالأيام علمتني أن حرب بني العمومة أشدُ فتكًا وأكثر ضراوة وأطول باعًا..

يحمل الانقلاب الخامس والأخير في سلسلة الانقلابات التي شهدتها تركيا منذ عام 1960، صفة «انقلاب عسكري»، لكن النواة الصلبة للمؤسسة العسكرية كانت أسعد الناس بنتائج هذا الانقلاب. لأن «المحدلة» التي اعتلاها رجب طيب إردوغان لسحق كل ما يمت بغريمه الإسلامي الداعية فتح الله غولن، أظهرت للسطح طبيعة تنافس الجماعات الدينية على الحكم. كان أول مرسوم وقعه إردوغان بعد الانقلاب وإعلان حالة الطوارئ، الأمر بإغلاق 1043 مدرسة خاصة، و1229 مؤسسة وجمعية خيرية، و19 نقابة عمالية، و15 جامعة، و35 مؤسسة طبية، للاشتباه في صلتها بغولن، كما أمر باعتقال 42 صحافيا، ومئات من موظفي شركة الطيران، وآلاف الموظفين المدنيين.

لأول مرّة الصراع في تركيا ليس بين العسكر والحكم المدني، ولا بين الأحزاب العلمانية والدينية، ولكنه صراع إسلامي - إسلامي. يرأس إردوغان حزبًا إسلاميًا رسّخ وجوده مستفيدًا من النظام الديمقراطي، ويرأس منافسه فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، جماعة دينية دعوية تسمى «حركة غولن» أو «حركة الخدمة» وتسعى بكل مثابرة وصبر للوصول للسلطة، وتوغلت عبر ما يسميه إردوغان «الكيان الموازي» للنفوذ في مفاصل الدولة والمجتمع والحياة العامة، ثّم قامت بالانقلاب عليها.. والآخر لم يقصّر في استخدم الديمقراطية كدبابة تسحق خصومه دون رحمة.

حتى الآن، فإن الصراع في تركيا «عاقل»، وما يمنع انحداره للعنف والدمار كما يحدث بين الأحزاب الإسلامية في سوريا ولبنان والعراق ومصر والجزائر.. وغيرها، ليس التراث الأخلاقي للأحزاب الدينية، وإنما هي «العلمانية» التركية التي لها الفضل في ترسيخ «قواعد اشتباك» سلمية حالت دون الحرب. وفقًا لهذه القواعد، كان غولن يبني مؤسسات تعليم وطبابة وإعلام ليخترق المجتمع، بينما في دول أخرى يسعى الحزبيون للوصول للسلطة ببناء ميليشيات وتهريب سلاح وتفخيخ العقول.

نجت تركيا من الانزلاق لحرب أهلية، والفضل للعقل السياسي العلماني، الذي نضج في الألفية الجديدة بما يكفي ليفتح الباب أمام أدوات سلمية للتغيير، حتى وإن كانت غير محصنة من استغلالها للانقلاب على السلطة، كما فعل غولن.

في جوار تركيا، الإسلاميون يتناحرون، ويدمرون بلدانهم، وبلدانًا ابتليت بهم، لا يتورعون حتى عن ذبح الأطفال وسبي النساء وحرق الأسرى وتهجير الناس. لكن في تركيا أمكن بسهولة إعادة الصراع داخل إطاره المدني، وهذه - مرة أخرى - من أفضال الديمقراطية وحسناتها.

من دون تلك الأعراف، لا شيء يردع الأحزاب الدينية الأفغانية «مثلاً» عن الاقتتال حتى لو وقعت سلامها بجوار الكعبة، أو ينفع الأحزاب الدينية العراقية «مثلاً» التي جاءت للسلطة باسم الدين، وتقاسمت كعكة الحكم، وقضمتها بشراهة وسلطوية وفساد قلّ نظيره في العالم، وقدمت تجربة مخيبة وفاشلة ومحبطة.

من حسن حظ الإسلاميين في تركيا أنهم في تركيا العلمانية، لو كانوا في بلد آخر لمزق بعضهم بعضًا تمزيقًا، وأغرقوا البلاد في بحور الدماء.