آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الوطن والأمة.. «والكلّ لنا»!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

لم يلتفت كثيرون من عشاق الشاعر والفيلسوف الهندي محمد إقبال لكتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، الذي ألفَّه كمحاولة للتجديد من بعث روح عصرية في الفكر الإسلامي قادرة على صياغة مشروع نهضوي يجمع شتات العالم الإسلامي، الخارج من محنة سقوط الخلافة، وتشرذم بلدانها وسقوطها مقسمة في حقبة الاستعمار.

ظلم الإسلاميون مشروع محمد إقبال النهضوي، حين انشغلوا حد التقديس بنماذج من قصائده العاطفية، التي تحوَّل بعضها إلى شعار يعبِّر عن الهوية الفكرية للجماعة، مثل قوله:

«الصِّين لنا والعُرب لنا والهند لنا والكلّ لنا

أضحى الإسلام لنا دينا وجميع الكون لنا وطنا»

يُعتبر إقبال الأب الروحي لدولة باكستان، وهي دولة انشقت عن الهند، وعمل إقبال عبر فكره وكتاباته للتأسيس لوجودها المستقل المعبِّر عن هوية سكانها، وبعيدًا عن صحة أو خطأ انفصال باكستان عن الهند، وما تلاه، فإن الشاعر إقبال أثبت أن الهند ليست له ولا لبني قومه، ولذلك انفصلوا عنها، أما الصين والعُرب فدونه ودونها خرط القتاد..

أدى الإيمان بمفهوم الأمة، إلى التعالي على مفهوم الوطن، وصولاً لنبذه والحطِّ من مكانته، وتصغير وجوده في النفوس. فكرة أن الإنسان ينتمي لوطن أسمى هو الدين، ولأمة أشمل هي العقيدة، مفهوم مدمر على صعيد الوطن وغير منتج على صعيد الأمة. لكنَّ هذا الشعور لم يولد من رحم الغيب، ولم يأتِ من الفضاء، هو جزء من منظومة فكرية دينية تعبوية تحط من قدر الوطن، وتعتبر «الوطنية» فكرًا منحرفًا، وتدفع عبر منهجية تحرِّض الناس إلى الهجرة نحو عالم افتراضي هو «الأمة»، لبناء الدولة الفاضلة التي يعشقها الوجدان الرومانسي للفرد المؤمن. دولة تمتد عبر حدود العقيدة لا الجغرافيا، وتكسر كل القوانين لتتواصل وتتمدد. شيئًا فشيئًا حاولت الجماعات الأكثر إيمانًا بهذه النظرية، من إنزال هذا المفهوم الملتبس من عليائه مع كامل طاقته التعبوية، وتمكنت من تكوين دويلات واقعية على الأرض من طالبان ل «داعش»، فأصبح الحلم الذي رُسم عبر عقود من الزمن في الخيال الفردي واقعًا، فما الذي يمنع الشاب من أن يلتحم بهذا الحلم ويدافع عنه..؟

نحن اليوم نجني بعضًا من نتائج هذا الفكر المضاد لمفهوم الوطن، والمحارب لفكر الدولة صاحبة السيادة، والمتآمر على منطق الانتماء والتعايش. ولكي نعالج الظاهرة لا بد أن نعالج جذورها وأسبابها، وهذه الجذور تتغذى من فكر شمولي أصبح اليوم أكثر شراسة وعنفًا لتحقيق أغراضه وأهدافه.

على الإسلاميين قبل غيرهم الإجابة عن سؤال الهوية والانتماء، وهل هم جزء من أوطانهم حتى يلوذوا بها ويذودوا عن حماها ويتماهوا مع مصالحها، أم هم جزء من عالم آخر. والذين ما زالوا يعتبرون أنفسهم مشدودين للخارج عليهم يعوا أن ذلك الخارج نجح أكثر منهم في صياغة مفهوم وطني قومي، لا يمت لهم سوى بالشعار، هذه تركيا التي يعتبرها قسم من الإسلاميين نموذجهم الأعلى، أنتجت تجربة دينية قومية تراعي مصالحها حتى لو أدى ذلك إلى تطبيع علاقتها مع إسرائيل. وتلك إيران التي تقطع الكهرباء في أشد فصول السنة لهيبًا عن بني جلدتها في العراق لأنهم تأخروا في سداد فواتيرهم..

اختار الإسلاميون من شعر إقبال ما يمنحهم شعورًا بنشوة التعالي فوق أوطانهم، واختارت السيدة «أم كلثوم» قصيدة «حديث الروح»، التي كتبها عام 1909 كنص مثقل بالشكوى والشجن مصاغة بلغة شاعرية قريبة من التصوف، لتنشدها كلحن حزين عن واقع المسلمين.