آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عروة بن الورد.. صوت المهمشين

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

هل يمكن لصعلوك، امتهن السطو والغزو والإغارة على الناس وسلب أموالهم وسبي نسائهم، وقتل من يعترضه من رجالهم أن يكون ملهمًا وشخصية ذَات أثر عميق حتى بعد 15 قرنًا من وفاته؟

يمكن لذلك الصعلوك أن يكون «نكرة» يمتد ذكره بامتداد الأسى الذي خلفه في قلوب ضحاياه، ثم يتلاشى ويندثر خلف ركام التاريخ، فالكثيرون مروا من هناك: طغاة وغزاة ولصوص.. كما مر إلى جانبهم قادة وأهل الفضيلة والكرم، فالتاريخ باب مشرع للجميع.

لكن ما يبقي ذكرى عروة بن الورد أمير الصعاليك، أنه جمع بين منقبتين: المروءة والشعر. فلم يخلده التاريخ لأنه مجرد صعلوك هجر الديار وعاش متسكعًا مع رفاقه بين القفار، وليس لأنه لص يسطو على أملاك الناس، بل لأنه حول هامشيته ونفوره من الحضارة والعمران إلى مصدر إلهام وإبداع تغمرهما فلسفة عميقة نحو الكون والحياة. من تلك البراري في جزيرة العرب تمكن أن يقرأ فلسفة الإنسان، وبالتالي انحاز سريعًا للمهمّشين والضعفاء والفقراء والمعدمين، ولم يلتصق ككل الشعراء بالأغنياء وأهل الجاه والسلطة.

أعطى عروة بن الورد للصعلكة معنى فلسفيًا مختلفًا، حين جعل منها ملاذًا للضعفاء والفقراء والمهمشين، وامتاز عروة بالشجاعة والنبل والإقدام والسخاء والعطف على الفقراء، حتى كان ملاذهم لاستيفاء لقمة عيشهم من خزائن الأثرياء وأهل الجاه والسلطة.

أصبح عروة بن الورد شخصية أسطورية لامعة، تشبه إلى حد كبير ما شاهدناه في الفلكلور الإنجليزي من شخصية روبن هود في العصور الوسطى، شخصية «اللص النبيل» الذي يستخدم شجاعته ليسلب الأغنياء من أجل أن يطعم الفقراء.

لكن ما يفرق بين عروة بن الورد وروبن هود هو الشعر، وفي التراث العربي، فإن الشعر إكسير الخلود، خصوصًا إذا اجتمع مع الشجاعة والفروسية ومكارم الأخلاق.

كان يمكن لعروة بن الورد أن يكون رمزًا في زمانه، ولكن الشعر أعطاه تأشيرة العبور للتاريخ وللأزمان التالية، هذه واحدة من قيمة الأدب والشعر التي ينالها الشعراء، وتنالها المجتمعات التي تنجبهم وترعاهم.

لكن الشعر الذي يمنح صاحبه طاقة للبقاء، لا يمكنه أن يسبغ عليه صفات المروءة والنبل والشجاعة، فالصحراء العربية عرفت شعراء صعاليك كانوا لصوصًا وبقوا لصوصًا، ولم يزكِ سيرتهم الشعر الذي خلفوه، نعرف من بينهم: الشنفرى، وتأبط شرًا، وجبار بن عمرو الطائي، والسليك بن السلكة، والأطيلس الأعسر البقمي، وحاجز بن عوف الأزدي، وعمرو بن براقة، وأبو خراش الهذلي. لكن عروة ابن الورد كان متميزًا من بينهم لأنه يمتلك رؤية، وصاحب موقف، وكان منحازًا للضعفاء وهو يعلم أنهم لا يربحونه ولا يحققون له مكسبًا. لكنه كان مقتنعًا بما يفعل، وما فعله ليس صورة جامدة أو قالبًا متحجرًا. فالانحياز للضعيف لا يعني السطو والسرقة دائمًا، فلكل زمان ثقافته ومفاهيمه، ما فعله عروة ابن الورد وروبن هود كان مستوفيًا للقيمة الأخلاقية في وقته، ويمكن لكل صاحب رأي وفكر وأدب أن يعبر عن انحيازه للعدالة والقانون والمنطق وإنصاف الضعفاء والمهمشين بما يستوفي واجبه الأخلاقي في كل زمان.

يقول عروة بن الورد:

إنِّي امرؤٌ عافِي إِنائي شِركَةٌ
وأنتَ امرؤٌ عافِي إنائك واحِدُ
أتَهزَأُ منِّي أنْ سمنتَ وقد تَرى
بجِسمي مسَّ الحقِّ، والحقُّ جاهِدُ
أقسِّمُ جِسمي في جُسومٍ كَثيرةٍ
وأحسُو قَراحَ الماءِ، والماء باردُ

يطل عروة بن الورد هذا العام في سوق عكاظ في موقعه التاريخي في «العرفاء» شمال شرقي مدينة الطائف، في المكان الذي كان قبل 13 قرنًا تضرب فيه للنابغة الذبياني قبة حمراء من أدم، فيأتيه الشعراء ليعرضوا عليه أشعارهم، وأصبح اليوم مكانًا لكل ذلك، وإلى جانبها مسامرات في الفن والأدب ومناقشات جادة ورصينة في التنمية الفكرية والثقافية.