آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من غسل دماغ «جوجو»؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

«لقد غسلوا دماغه».. بحسرة قالها والد الطفل البريطاني الذي ظهر مؤخرا في تسجيل مصور لتنظيم داعش الإرهابي، وهو يعدم مع أربعة صبيان آخرين خمسة من الأسرى لدى التنظيم الإرهابي في سوريا.

إلى جانب الصبي البريطاني الذي عرف نفسه بأبي عبد الله البريطاني يظهر في الشريط أيضا صبي عرف بأنه أبو البراء التونسي وأبو إسحق المصري وأبو فؤاد الكردي ويوسف الأزبكي.

كلهم صبية ضمن مجموعة كبيرة من الأطفال الذين جندهم التنظيم المتطرف، وأعدهم لأبشع عملياته القذرة. أطفال بعضهم جاء من مناطق السبي والغزو، وبعضهم التحقوا مع عوائلهم طوعا لدار الخلافة المزعومة، كحال هذا الطفل، وهو ليس البريطاني أو الأوروبي الوحيد، فجمعية «كويليام فاونديشن» المعنية بمكافحة التطرف قالت: إن نحو 50 طفلا بريطاني المولد يعيشون في المناطق الخاضعة ل «داعش»، وسبق أن عرض التنظيم أطفالا فرنسيين يشاهدون أو ينفذون عمليات عنف وإعدام.

والد الصبي البريطاني عبر عن صدمته، واتهم والدة الطفل ويدعى جوناثان ألاو جوجو، بتعريضه لعمليات غسيل دماغ، ونقلت وسائل الإعلام عن والد جوجو، قوله: «كان صبيا رائعا، مجرد طفل عادي، يحب مطاردة الحشرات والمشي في الحديقة، كان علي منعها من أخذه، لكن الأمر كان صعبا، تعرضه لغسيل دماغ أمر مثير للاشمئزاز».

«جوجو» هذا ولد في تشاتام في كينت، عام 2004، ووالدته سالي جونز التي انفصلت عن والده، وأصبحت واحدة من أكثر الإرهابيين المطلوبين في العالم، بعد فرارها إلى سوريا بصحبة ابنها الأصغر جوجو عام 2013، وإطلاقها تهديدات بتنفيذ هجمات إرهابية. وقبيل سفرها إلى سوريا اعتنقت جونز الإسلام، وتزوجت من متطرف يصغرها ب25 عاما هو جنيد حسين الذي قضى في غارة أميركية، وغيرت اسم جوجو لحمزة، وبدلت اسمها إلى سكينة حسين، وفر الثلاثة إلى سوريا. حسرة الوالد البريطاني ليست غريبة علينا، نشاهدها كل يوم على وجوه آباء وأمهات يعتصر الأسى قلوبهم بعد أن اكتشفوا أن فلذات أكبادهم أصبحوا وقودا للتنظيم الإرهابي يخرجون على القانون، ويروعون الآمنين، ويفجرون المساجد، ويقتلون رجال الأمن، وينشرون الخراب في بلدانهم وبلدان الآخرين.

عبارة «غسيل الدماغ» هي الأخرى مألوفة لدينا، نسمعها من ذوي الإرهابيين الذين يصرخون بقهر أن أولادهم تعرضوا إلى غسيل دماغ، حولهم من شباب وادعين يعشقون الحياة إلى ذئاب متوحشة تفتك بالأبرياء وتنشر القتل والترويع أينما حلت أو نزلت.

من لديه القدرة والإمكانية والسلطة على عقول أولادنا لكي يغسلها هكذا ويجعلها متوحشة وحاقدة وكافرة بأوطانها وناقمة على الحياة والإنسان؟ من أي المصادر تتغذى حملات غسل الدماغ هذه؟ ولماذا أخفقنا في إيقافها أو الحد منها؟

في الخمسينات حين كان الصينيون يطبقون برنامج الإصلاح الفكري، كانوا يخضعون الأفراد المشكوك في ولائهم للشيوعية لبرنامج تأهيل نفسي يخلصهم كما يَرَوْن من الأفكار البرجوازية، وفي الحرب الكورية «1950 - 1953» أشيع أنه استخدم غسيل الدماغ كسلاح ضد الجنود الأميركيين الأسرى.. هذه تقنيات حرب تمارسها «داعش» التي استفادت جيدا من تجربة «الانكشارية» التي ابتدعها «أورخان غازي» ثاني سلاطين الإمبراطورية العثمانية، حيث كان جنوده يخطفون الأطفال من مناطق النزاع ليتم عزلهم، ثم تدريبهم وتربيتهم تربية عسكرية صارمة عمادها السمع والطاعة.

عمليات غسيل الدماغ تستلزم عزل الضحايا عن محيطهم وتعبئتهم نفسيا، لكن كيف يمكن لشباب يعيشون بيننا في عالم مفتوح أن يخضعوا لعمليات غسيل دماغ، إلا إذا اكتشفنا أن قوى التعبئة تعتمد ثقافة عزل آيديولوجي تجعل تأثيرها لا يقاوم.

لا يحتاج الأمر إلى عبقرية لكي نكتشف أننا نواجه دفقا ثقافيا من داخلنا يصنع بيئات حاضنة للنطرف.. نعرف شبابا تورطوا في عمليات تفجير وإرهاب وهم لم يخرجوا من بلادهم، كانوا تحت تأثير عمليات غسيل دماغ من نوع آخر أصبح بعضهم معاديا للدولة، وللمجتمع، وللتقدم، وللفن ولثقافة الحياة.. وصولا إلى تحول بعضهم إلى ذئاب بشرية تفتك بلا رحمة، فكيف جرى غسل أدمغتهم؟

هذا هو السؤال المهم، حتى لا نبقى نبكي على اللبن المسكوب ونشتكي طويلا من وجود قوى أجنبية حاقدة تقوم بتعبئة وتحريض وغسل دماغ أولادنا حتى يقوضوا أوطانهم بأيديهم. التحريض والتعبئة أولى أدوات هذا الغسيل القذر، ومثله خطابات المنابر التي تزرع الكراهية وتبث التفرقة والفتنة، وتمزق الوحدة الوطنية. ثم هناك الثقافة الأحادية التي لا تقدم للشباب بدائل ومناهج ولا تساعدهم على التفكير المنطقي النقدي الذي بالضرورة يمتلك وسائل المقاومة للهيمنة على العقل وتوجيهه.

لا يكفي أن نتحسر على هؤلاء الشباب الذين أصبحوا معاول لهدم أوطانهم، ولعبة بأيدي الدول المعادية، لا بد أن نعرف أن التحريض والكراهية والثقافة المغلقة والنظام التعليمي التلقيني ووسائل التواصل والإعلام التي لا تحترم العقل ولا تعتمد المنطق، كلها تدفع بالشباب لحواضن التطرف والإرهاب.. ثم نتساءل ببراءة: من غسل أدمغة أولادنا؟