آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 4:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

من يصنع الشائعات؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يتزايد هذه الأيام التحذير من «الشائعات»، البعض يرى أنها سلاح الأعداء، والبعض يندد بمروجيها، وآخر يطالب بملاحقة أصحابها، ورابع يحاضر في خطرها على الأمن الاجتماعي..

أحيانًا يبدو التخويف من الشائعة وكأنه ضرب من الترهيب المعنوي، أو شكل من طلب الصمت. خاصة إذا كان يغفل عن طرح الأسئلة: كيف تنشأ الشائعة..؟، وكيف نقضي عليها..؟.

قول الحقيقة، وعرضها للجمهور يمثل أقوى درجات القوة والثقة، كما يمثل سدًا في وجه الشائعة. فالمعلومة الصحيحة لا تمثل خطرًا كالذي يمثله الجهل بها. والحقيقة أقل تكلفة في تحملها وفي نتائجها من التضليل، و«الصدق منجاة».

وأخطر ما تفعله الشائعات أنها تبني جسرًا فاصلاً بين المؤسسة والجمهور، هذا الجسر يمثل أيضا فاصلة شعورية تنمو فيها انعدام الثقة.. وهي أكبر الشرور ومفتاح الفساد، وهنا يصبح خطاب المؤسسة وبرنامجها الذي يفترض أن يخدم الجمهور ويتفاعل معهم غير مؤثر أو غير مستجاب.

والشائعة ليست دائمًا فقاعة من الوهم، أكثر الشائعات تعتمد على مزيج غير منتظم من المعلومات بعضها صحيح يجري حقنه في كمية من الأخبار الزائفة أو المحرفة، بشكل يصعب التحقق من صحته. فالشائعة تعتمد على وجود «فراغ» في معرفة الحقيقة، أو نقص في التواصل، وكون الموضوع يمثل أهمية للمتلقي.

ورغم أن الشائعة لا تتقصد دائمًا إثارة الاضطراب الاجتماعي والسياسي، أو خلق بلبلة، أو التحريض والإثارة. فإن نتائجها دوما سيئة، فمعظم الشائعات تتكاثر بسبب انعدام الثقة، أو الخوف على المستقبل، أو حتى الغموض والإبهام، أو في الحدّ الأدنى الجهل بالمعلومات الصحيحة.

مؤسسات الدول مثل الشركات، يمكنها أن تعتمد لفترة على السمعة التي شيدتها، لكن لا يمكنها أن تبقى تأكل من رصيدها في بناء السمعة إلى الأبد!. ما يجعل المؤسسات قادرة على الاحتفاظ بسمعتها ومكانتها المؤثرة هي اقتناع الناس بمصداقيتها، وكون تلك المصداقية قائمة على التواصل بشفافية، وأيضًا لوجود الحوكمة الرشيدة.

لكنّ لا أحد يمكنه التحصن بالسمعة التي بناها إلى الأبد، تلك السمعة لم تحمِ حصن النظام الرأسمالي في نيويورك من موجة احتجاجات اندلعت في سبتمبر «أيلول» 2011، تحت عنوان «احتلوا وول ستريت»، ثم شملت الاحتجاجات مختلف أنحاء العالم بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرازيل وكندا، وهذه الدول باستثناء البرازيل تعتبر معقل النظام الرأسمالي، وكان الجمهور وقتها يندد ب «جشع الرأسمالية وسطوتها».

نتحدث هنا إذن عن أهمية الاتصال الجماهيري، وضرورة أن يقوم على احترام الطرف المتلقي أولاً: احترام حقه في معرفة الحقيقة، واحترام عقله في تقديم معلومات وافية وشفافة ومقنعة، واحترام حقه في المشاركة والتعبير عن رأيه.

كذلك لا بد أن يعتمد الاتصال الجماهيري على عناصر بشرية مدربة مهنيًا، ومنهجيًا، وأخلاقيًا، والمقصود هنا الوعي جيدًا أن الاتصال مهمة حساسة في حفظ العلاقة المتزنة وبناء الثقة، وليس للتضليل والهيمنة وفرض الإذعان على الجمهور.

لا مناص من القول: إن الحقيقة هي السلاح الأمضى في وجه الشائعة، وليس الصمت!. وأن القضاء على الشائعة هو بمزيد من الشفافية والتواصل وليس الصدّ والإعراض.