آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أخبار جديدة من الظهران

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

في الظهران، التي احتضنت قبل 60 عامًا «1954» جريدة «أخبار الظهران» الرائدة في الدعوة لتعليم المرأة، وقفت الأسبوع الماضي ست فتيات سعوديات، وأربعة شبان يتحدثون في قاعة غصت بنحو ألف شخص من أهل الثقافة معظمهم من الشباب، يتكلمون بشجاعة وطلاقة عن قراءاتهم، في استعراض ألهب الحماس، وأعطى مؤشرا لا يخيب عن اتجاهات القراءة والثقافة والتفكير، الذي يصدق عليه أنه كسر القوالب التقليدية، وأظهر براعة هذا الجيل ونضجه ونموه المعرفي، وقدرته على تجاوز كل أنماط الثقافة التي تريد صياغته في قوالب لا تمت لعصره.

في الحفل الختامي لمسابقة «اقرأ 2016»، وهي المسابقة الوطنية للقراءة في نسختها الرابعة التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي التابع ل «أرامكو - السعودية»، وتم فيها تتويج ستة فائزين من أصل أكثر من 18 ألف مشارك ومشاركة، برعت الشابات والشبان في انتقاء أفكار لقراءات باذخة بالمعنى والحداثة والبحث عن الفردانية، مع رؤية فلسفية للحياة.

بنات في مقتبل العمر، بعضهن في المرحلة المتوسطة، أي دون السادسة عشر من أعمارهن وقفن على المسرح أمام جمهور غفير يتحدثن كراشدات وكملهمات، هذه واحدة منهن، هي «دانة الحارثي»، تخاطب الجمهور بالقول: قِف مکانك.. ارفع يديك وَسَلَّم نفسك الآن.. هذا هو الصوتُ المجهول الذي يُتمتم به أحدهم في أذنيك الصغيرة منذ أن تولد حتى تکبُر.. فتمضي علي ما مضي عليه من سبقوك.. تسيرُ في الطريق ذاته، وتمشي علي نفس المبادئ وتؤمن بنفس المعتقدات! بلا أية قناعات ظنًا منك أن هذا هو منهجُ الحياة.

تكمل: ‎تهُمل کلَّ النوافذ وتنظر من النافذة ذاتها التي ينظر عبرها الناس وترمي بمعتقداتك وأفكارك عرضَّ الحائط وکأنك تقول مستسلمًا: «مرحبًا بك أيها السائد» فيتضاءل صوت الفرادة المسکين الذي بداخلك!

صوت آخر هو «تالا المُلا» الطالبة في المرحلة المتوسطة، التي تشير إلى معنى عميق بالقول: أثر الفراشة لا يُرَى أَثر الفراشة لا يزولُ.

تكمل قائلة: هل طرأ علي بالك يوما أن رفرفة جناحي الفراشة في الصين قد تسبب أعاصير في أميرکا؟.. ‎ثم تتساءل: کيف لحشرة ضئيلة أن تحدث ذلك التغير الكبير؟.

«منار الصادق» هي الأخرى في المرحلة المتوسطة، تقول: احذر هذا الرّجل فإنه خطيرٌ وخطيرٌ جدًا، لأنه لا يتذوق الجمال». هذا ما قاله شكسبير علي لسان أحد أبطاله. ثم ‎تتساءل ما الذي يجعل من الشخص الذي لا يتذوق الجمال خطيرا؟. وتجيب: ‎أليس الفن انفعالاً جماليًّا.. يسحرك، يُثير دهشتك، يدغدغ مشاعرك وينتشلك من‎ عالمك إلي الماوراء، إلي عالم الروح حيثُ ترى النَّفْس البشرّية بوضوح، حيث ترى طُهرك، وخُبثك، ومدى عُمقك، حيث تُدرك نفسك أکثر وأكثر؟

عيسى نهاري الطالب في المرحلة الثانوية يقول: ‎إن انتقاصك حرية الآخرين هو انتقاص لحريتك في الأساس، فالحرية قيمة مشترکة تقع علي عاتق الجميع لا قيمة فردية تختزل في أحد ما، تنقص حريتنا کلما توسعت علاقتنا بالمحيط الذي حولنا.

الشابة الجامعية سارة الرحيلي، تتساءل: هل نحن بحاجةٍ حقًّا أن نكون مبصرين لنقرأ؟ أن نكون منصتين لنقرأ؟ «..» كل ما تلمسه بيديك من الوجودات قراءة. النظر قراءة، السمع قراءة، الشمّ قراءة، اللمس قراءة، الإحساس قراءة، وأي حصرٍ لها على حاسةٍ واحدة يكون مضيقًا لبحرٍ من المعاني التي كان بالإمكان أن نقرأها.

شروق الزهراني، هي الأخرى تطرح سؤالا قلقا: ماذا لو أصبحتْ كل تلك الحقائق أساطيرَ في المستقبل؟ وتقول: قد يتبادر إلى أذهانِكم الآن أن الأسطورةَ لا تشكل جزءًا مهمًا بالنسبةِ إلينا، بينما «يونغ» يشير إلى أن كل البشر لديهم ميل داخلي للأسطورة.

كريم الشمري، يتحدث كفيلسوف خبر الحياة متسائلا: هل المهم أن نعيش حياة طويلة أم أن نحيا حياة خصبة عميقة. غايتنا في هذه الحياة أنْ نصنع العمق فينا، أن يمر بنا سيل الحياة فينحت غرفًا وأروقة في دواخلنا، ليجعلنا أكثر قدرة على التعاطي مع الحياة بأن نضيف لها وتضيف إلينا.

عبد الرحمن الطارقي يقول: «حين كنت في رحلة العمر للبحث عن المعنى الساكن في العابق في ركن السكون.. هناك بحثت.. «..» ‎أزعم أنني في تلكم اللحظة الفريدة من نوعها سمعت صوتا متمثلا باللحظة يقول لي يا هذا إن من السذاجة أن تكون أسيرا لذات مثلك متماثلة معك في عالمك الخارجي متحدة معك في العالم الداخلي يا هذا ما من ذرة في الوجود إلا ولها قلب كن متفردا بقلبك إياك وسيطرة المحسوسات على مشاعر روحك.. افتح عينيك الآن.

هذه أصوات جديدة في المشهد الثقافي السعودي، جديرة بأن نستمع إليها ونمنحها الفرصة لتعبر عن نفسها، روعتها أنها متحررة من قيود الثقافة التقليدية وسجالاتها، لا أثر للخطاب القديم في أصواتهم، ولا أثر للقيود على أفكارهم.