آخر تحديث: 24 / 2 / 2020م - 1:06 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المصلحة الوطنية العليا

زكي أبو السعود * صحيفة الشرق السعودية

بعد انتظار دام أشهراً، منذ أن أطلق وزير العمل تصريحه حول عزم وزارته الوصول إلى قرار حول تحديد الأجور، أصدرت الوزارة بياناً أكدت فيه أن ثلاثة آلاف ريال كحد أدنى للأجور لا ينطبق إلا على العاملين في القطاع الحكومي، وأنه في «ظل أوضاع سوق العمل الحالية» فإن تحديد الأجر في القطاع الخاص يحتاج إلى مزيد من «الدراسة الواعية، واستقصاء متعمق يراعي المصلحة الوطنية العليا»، ولكن البيان لم يوضح الرابط بين المصلحة الوطنية العليا وبين تحديد الأجر في القطاع الخاص، الذي يعمل فيه ما يقارب المليون مواطن سعودي، بينهم أكثر من 300 ألف مسجلون في التأمينات الاجتماعية برواتب شهرية قدرها 1500 ريال فقط!

فمفهوم المصلحة الوطنية العليا عادة ما يُلجأ إليه أمام تقرير الأمور المصيرية أو حينما يكون هناك حدث جلل يمس السيادة الوطنية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلامة الدولة ومواطنيها. فالمصلحة الوطنية كمفهوم سياسي لم يُستخدم إلا بعد قيام الدولة القومية المعاصرة. وهناك من يقول بأن أول من استخدمه في أدبياتهم السياسية هم مفكرو وناشطو المدن الإيطالية التواقة آنذاك، بفعل تطوراتها الاقتصادية، إلى الاتحاد في دولة قومية واحدة تضمهم جميعاً.

وبالرغم من أن «ميكافيلي» لم يستخدم هذا المفهوم كنص إلا أنه يعدّ أول من تحدث عنه كفكرة، واستخدمه في شرح أهدافه الطامحة إلى قيام دولة إيطالية موحدة.

كما تم استخدام هذا المفهوم في بعض الأدبيات السياسية الألمانية ذات الاتجاه القومي المتشدد الذي اعتمده هتلر لاحقاً في حبك أيديولوجيته النازية. أما اليوم فإن استخدام هذا المصطلح لم يعد شائعاً في البلدان الديمقراطية كتبرير لإصدار أي قانون مهما كان مجاله، أو تبني سياسة معينة تخص الأوضاع المحلية مهما كانت عواقبها، قدر ما يُلجأ إليه حين نشوء وضع معين يشكل تهديداً لسيادة الدولة.

وحتى حين إعلان حالة الطوارئ قلما يُلجأ إليه كنص في تبرير إعلانها، لأن هناك من القوانين ما ينظم ذلك ويبعد المجال عن أي مزايدة سياسية.

بينما نجد أن استخدامه يكثر في البلدان التي يغيب عنها الوضوح والثبات الدستوري في تشكيل أجهزة الدولة، حيث تلجأ القوى السياسية المهيمنة المفتقرة إلى أساس قانوني لديمومة بقائها في الاعتماد عليه كحجة ترتكز عليها في تقديم نفسها وشرح مواقفها وأيضاً لدحض خصومها.

وفي هذا السياق، تأتي أهمية التفريق بين الدولة والحكومة، فالأخيرة هي جهاز من أجهزة الدولة، قد تتغير أو تتبدل سياستها دون أن يؤثر ذلك في ثبات وجود الدولة الوطنية نفسها، بمن في ذلك من يتربع على رأسها.

لذا نجد في الدول ذات الملكيات الدستورية أن الملك - أو الملكة - يعدّ حامي وحدة البلاد ورمزاً لها، وأن المساس بالذات الملكية يعدّ جريمة يعاقب عليها القانون، بينما يمكن نقد مواقفها وسياساتها ودون أن يعدّ ذلك مساساً بالمصلحة الوطنية العليا.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…