آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

تواصلنا مع أطفالنا

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في أدبيات الحكمة، نجد قاعدة: لاعِبْه سبعاً، ثمّ أدبّه سبعاً، ثم صاحِبْه سبعاً، وهي تحدد إطار علاقة الطفل مع أبويه فيما يعنى بالجانب التربوي، وقد تتكرر ذات القاعدة بألفاظ أخرى، لكن الدلالة متقاربة والمعنى واحد.

ما تحمله المقولة الحكميّة من دلالات يأخذنا إلى منطقة الحديث عن قضية التواصل الإيجابي مع الأطفال، بوصفه يحمل رسالة تربوية تعطي اعتباراً لمستوى النمو والإدراك لدى كل طفل، وتلتفت إلى وضعية تطبيق المنهج الذي يفترض أنه يحمل هذه المضامين التي تتراوح بين الأشكال الثلاثة في التربية: اللعب، الأدب، المصاحبة.

ومع أن محورية كل شكل من الأشكال الثلاثة لا يعني إلغاء الشكلين الآخرين، في كل محطة من المحطات الثلاث، وإنما ذُكرت منفردة في كل مرحلة، بحكم أنها تشكل النسبة الأكبر في هذه المحطة أو تلك.

والمهم أن يكون هذا الإطار النظري مفضياً إلى تطبيق عملي سليم، دون إفراط في شكل واحد، وإغفال الشكلين الآخرَين؛ إذ الأمر كما يجري التعبير يفترض أن يكون وفق قاعدة النسبة والتناسب؛ لأن لكل مرحلة عمرية خصائصها الفسيولوجية والنفسية والوجدانية، والسمات الثقافية والإدراكية لدى الطفل تنمو تبعا لمنحنى تصاعدي، ربما نرصد بعض مظاهره، ونتذوق بعض مشاهده وأريحياته وبراءته، لكن التربويين الذين يقومون بإعداد الدراسات التي تهتم بهذه القضايا، يتتبعون ويرصدون ويدونون مشاهداتهم وملاحظاتهم وفق منهجية بحث قد تتوسع أشكاله وأساليبه ومدوناته التي تزخر بها المكتبة التربوية.

ومن بين ما تقتضيه الجوانب التربوية المرتبطة بالطفل ووالديه على الخصوص أو بيئته التربوية بشكل عام، يكثر الحديث عن نسبة من الإخفاق في قدرتنا على التواصل مع الطفل حسب مراحل نموه العمرية. ومع أن شيوع مفهوم العنف الأسري في عصرنا، والعنف مع الطفل أحدها، لا يعني بالضرورة انتفاءه عن حياة الأجيال السابقة، وإنما لأن هناك توسعاً في مجال اهتمام دول العالم بهذه القضايا، من خلال المنظمات الدولية في الأمم المتحدة وغيرها، ولهذا صرنا نقرأ ونسمع ونتحدث عن هذه القضايا وعن هذه المفاهيم.

التواصل الجيد بين الأبوين والطفل يقتضي عدم الاكتفاء بالمستويات الأولى من أشكال التواصل التي تركز على الجوانب الوجدانية التي هي حتماً هي بحاجة إلى إشباع ونمو وتدفق واستمرار. وإنما يتكامل مع هذه الضرورة مجموعة من الضرورات الأخرى التي تتطلب من الأب والأم، وليس أحدهما فحسب، أن يسعيا إلى تنمية الجوانب المعرفية المرتبطة بالطفل، وصحته البدنية والوظيفية بالإضافة إلى صحته النفسية. وإذا كنا نقرأ ونسمع عن جرائم تشيب رأس الرضيع حينما يقتل أب أولاده، وكأنه ضبع يفترس ضحاياه، فهذه بلا شك مؤشرات خطيرة جداً في قضية التعامل مع الطفل، وهي بحاجة إلى وضع أنظمة وقائية أوسع مما هو موجود الآن. لكن تبقى هذه النماذج التي لم نألفها أبداً في مجتمعنا.

والحديث عن التواصل الجيد بين الوالدين والطفل يشير إلى أن فاقد الشيء لا يعطيه، فالحياة المعاصرة تتزايد متغيراتها، وتتنوع ظروفها، اجتماعياً وثقافياً، وهذا يوجب أن يتوفر لدى كل أب ولدى كل أم حدّ كاف ومقدمات معرفية تحقق مستويات تواصل ناجحة مع الطفل خلال نموه العمري.

إن إشباع الطفل بالأمان يعد من ركائز البناء النفسي وتقدير الذات والتعامل وفق قاعدة الاحترام المتبادل. إن الطفل ينقل المعجم اللغوي الخاص بكل أسرة، ويتقنه، ويستظهره، فإن كان هذا المعجم ثرياً بالإيجابية، ستكون النتائج كذلك إيجابية في تفاعل الطفل مع هذا المعجم. أما حين يكون بعض هذا المعجم ممجوجاً أو مبتذلاً، فإن الآثار تنعكس بالمثل على الطفل، ويستظهر ببراءة ما هو ممجوج.

والأمر لا يتعلق بالتواصل اللفظي أو الشفاهي، وإنما تشكل لغة الجسد منطقة اشتغال وتقليد لدى كل طفل. ويلحظ في بعض الآباء تلقينهم أطفالهم لمجموعة مختارة من الألفاظ أو الحركات ذات المحتوى والقيمة السلبية، من أجل إثارة جو من الإضحاك الساذج أو الإثارة الغبية، التي في حقيقة الأمر تعد جريمة تمارس في حق هذا الطفل، وانتهاكاً فظيعاً لحقوقه، وتجاوزاً مُشيناً على ذاته. إن ما نشاهده من مواهب ومبتكرين وهم في مرحلة الطفولة، تنبئ أن لدينا زخماً واسعاً من هذه المواهب، ويتطلب إذكاء جذوة الفعل التربوي بكل أشكاله وفي كل مواطنه ومحطاته، وكل أمة تهتم بأطفالها، فإنها تغدو مثالاً ونموذجاً بين الأمم.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.