آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا ينتخب الصحافيون؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

الأسبوع الماضي نُظّمت في الرياض انتخابات ل «هيئة الصحافيين السعوديين»، من حيث الشكل والجوهر هي لا تختلف عن انتخابات مجالس إدارات الأندية الأدبية. ربما فاقت عليها في سوء التنظيم وضعف الإدارة، وفي عزوف الناخبين عن المشاركة فضلاً عن النقاش أو حتى التعرف على برامج المرشحين.

بسرعة البرق تم «سلق» هذه الانتخابات، انعقدت الجمعية العمومية بغياب أبرز أركان الإدارة السابقة، ولم يحظَ الصحافيون الحاضرون بوقت كافٍ لمناقشة همومهم، وفي ثوانٍ جرى ترحيل أهم النقاط وهي تعديل اللائحة الداخلية إلى المجلس القادم، ولم يتسن لعشرات الصحافيين من خارج الرياض الوصول إلى مقر الانتخابات للمشاركة في التصويت، بعضهم تمكن من «تفويض» آخرين التصويت نيابة عنه.

أما التصويت فقد تم لاثني عشر عضوًا من بين ستة عشر مرشحًا، لم تتح لأي منهم فرصة الحديث عن برامجه أو مشاريعه لتطوير الهيئة، أو تقديم أي رؤية لتعزيز مهنة الصحافة ودورها وموقعها في المجتمع.

أسفرت الانتخابات عن فوز سبعة رؤساء تحرير، بينهم أعضاء في المجلس السابق، وثلاث سيدات صحافيات، ومشرف على قناة «الاقتصادية»، وكانت القوة الانتخابية محدودة للغاية لا تتعدى 471 صوتًا، صوّت منهم 359 شخصًا، بحسب اللجنة المشرفة. في حين غابت صحف ومؤسسات صحافية، لم يتمكن أفرادها من تجديد اشتراكاتهم، أو أنهم زهدوا في الإدلاء بأصواتهم. علما بأن اللائحة الأساسية لهيئة الصحافيين السعوديين لا تمنح حقّ التصويت سوى للصحافيين المتفرغين العاملين في مؤسسات إخبارية.

كما أن النظام الانتخابي الذي يمنح الناخب حقّ التصويت ل12 عضوًا يمثلون ثلثي أعضاء المجلس «ينص النظام على أن تعين وزارة الثقافة والإعلام الثلث الباقي» يجعل من السهل على المؤسسات الكبيرة الهيمنة على الانتخابات سواء بتجيير الأصوات أو خلق تكتلات أو غيرها. مع إمكانية كبيرة لتحول انتخابات هيئة الصحافيين إلى ما يشبه انتخابات المجالس البلدية التي سهل على وجهاء المال والشخصيات الدينية السيطرة عليها، أو حتى انتخابات الأندية الأدبية التي أفرزت في الغالب فئويات متصارعة.

الآن، وقد جرت هذه الانتخابات، فمن العدل القول: إن الفائزين في هذه الدورة يمثلون فعلاً التوزيع الجغرافي للصحف، كما يمثلون في العموم شرائح وخبرات متنوعة، وعليهم تقع مسؤولية تطوير اللائحة الأساسية بما يسمح بتوسيع القاعدة الانتخابية أولاً، وتوسيع مهام وصلاحيات المجلس، والهيئة من ورائه.

إلا أن المسؤولية الأكبر تكمن في قدرة الإدارة وعموم الكوادر الصحافية السعودية تعزيز موقع الصحافة ومكانتها ودورها باعتبارها «أداة للتعبير عن حرية الفرد من خلال حقه في ممارسة حرياته»؛ «فاروق أبو زيد: «مدخل إلى عالم الصحافة»»، وباعتبارها «صوت الناس ونبض المجتمع»، وباعتبارها قوة التماسك الوطني وأكثر أدوات الربط الاجتماعي، والصوت العابر فوق الانقسامات، والعين الساهرة على المصالح الوطنية العليا، وأهمها: حفظ البلاد وعزتها ووحدتها وتماسكها وكرامة أهلها.

الصحافة السعودية بحاجة إلى تعزيز الشعور بالمسؤولية، مثلما هي بأشدّ الحاجة إلى تعزيز مهنيتها ومصداقيتها، حتى تكسب احترام القارئ، وتشارك بالتأثير في الرأي العام، وتمارس دورها الحقيقي كسند وظهير للدولة، وكمنصة لمخاطبة الآخرين.. التفريط في المصداقية أشد خطورة من أي تحدٍ آخر تتعرض له الصحافة، لأنها من دون المصداقية تصبح دون جدوى أو تأثير.

من حق الصحافيين إثارة همومهم بشأن الأمان الوظيفي وحقوق العاملين، لكن من حقّ المهنة على الجميع عدم التفريط في شرف الكلمة، وأمانة المسؤولية، وحق الجمهور في الوصول إلى الحقيقة، وحق الوطن أن تكون له صحافة تجمع ولا تشتت وتقرب ولا تفرق، وتعزز تماسكه ولا تفت من أزره، وتقدم نماذج حضارية للعالم في الفكر والإبداع والتقدم، وتبني منصات للحوار وقنوات للاتصال، نحن بأمسّ الحاجة إلى أن نتحد وأن نكسب العالم.. لنواكب الدور العالمي الذي تنهض به بلادنا.