آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 4:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

من أيقظ الوحش..؟!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

هذا الرئيس مذهل حقًا..!، قلب الموازين رأسًا على عقب. أصاب الجميع بالحيرة والذهول: الذين انتخبوه قبل الذين عارضوه، كلهم ينظر حول نفسه. أصاب المفكرين والمثقفين بالخيبة؛ لأنهم ظنوا أن الولايات المتحدة لن تعود إلى الوراء، ولن تهيمن عليها الأفكار الانعزالية أو الانطوائية.. وأظهر أن الخبراء ومراكز الاستطلاع والصحافة ووسائل توجيه الرأي العام يمكن أن تخطئ خطأ فظيعًا، بمستوى إعطاء الجمهور جرعة زائفة من الاطمئنان.

انتصار ترامب ليس حدثًا عاديًا. ليس مجرد عودة اليمين المحافظ إلى السلطة بشهية أكبر. وأكبر من حالة القلق التي تلف الكرة الأرضية جراء الخوف من أن «يَصْدُق» الرئيس المنتخب، ويضع وعوده الانتخابية موضع التنفيذ.

ليس حدثًا عاديًا، لأن هذا الرئيس كسر التقليد وأثبت أن أحدًا يمكنه أن يتحدى «المؤسسة» الأميركية المسؤولة عن إنجاب الرؤساء والقادة، ويصل دون الحاجة لتلك المنظومة الحاكمة من أحزاب ولوبيات وعالم المال وشركات السلاح وشبكات الإعلام وغيرها.. ويختطف الفوز، دون أن يكون له سجلاً أو سوابق أو تاريخا في السلطة. هذا يجعله خطرًا لأن أحدًا لا يملك التأثير عليه، أو حتى يفهمه، ولا هو يدين بالفضل لأحد في نجاحه.

العالم بين قلق وخائف، من فوز هذا الرئيس. والعين مصوبة على سياسته الخارجية والدفاعية، وما إذا كان يريد المشاركة أو الهيمنة أو الانطواء والعزلة.

إلا أن ما يثير القلق أكثر - في ظني - في فوز ترامب، هو الشرخ الذي أصاب الولايات المتحدة نفسها. لأول مرة منذ الستينات تعود مشكلة الهويات داخل المجتمع الأميركي بهذه الدرجة من الحدة. الرئيس المنتخب نجح في استثارة قلق الأكثرية البيضاء على هويتها ومصيرها، في الوقت نفسه أرسل إشارات سلبية نحو الأقليات من السود واللاتينيين والمكسيكيين والمسلمين وغيرهم، أشعرهم بالخوف والعزلة.

لم يختلف الرئيس المنتخب الذي فاز بالسلطة على إيقاع خطاب الانعزالية وتقسيم المجتمع، لم يختلف عن أولئك الطامحين لسلطة أو مقعد نيابي في الشرق الأوسط، كلهم يتوسل بالخطاب الفتنوي التحريضي لإثارة الخوف ورصّ الموالين له في قوالب انتخابية.

ما الذي يفرق بين رئيس القوة الأعظم في العالم، مركز النظام الرأسمالي، ومعقل الفكر الليبرالي الحديث، والقادم من عالم التجارة والمال والاقتصاد، وبين مرشح محدود القوى في انتخابات مجلس الأمة في الكويت، إذا كان الاثنان يتحدثان بلغة واحدة وفكر واحد، عماده تقسيم الأمة وتفتيت وحدتها، واستثارة الخوف بين مكوناتها، والاستثمار في تجارة الكراهية والحقد بين أطيافها.

هذا هو الخطر الأكبر الذي جنيناه من فوز ترامب، وهو خطر ليس محدودًا؛ لأنه يقع في قارة بعيدة عنا آلاف الأميال، لأن انهيار أي نموذج للتعايش السلمي، وانفجار أي مخزون للهويات يساهم في انتشار النار في أرجاء المعمورة.

أيقظ ترامب الوحش في نفوس الأولياء والخصوم.. كلهم اليوم قلق وخائف من الآخر. كلهم أصبح يرسم الحدود بين هويته والهويات الأخرى.. المظاهرات التي اندلعت في عدد من الولايات الأميركية نذير شؤم وليست بشارة خير؛ لأن هذا الجيل الذي لم يشهد ويلات العنصرية أصبح مسكونًا بالخوف من صعودها اليوم. بدأ هذا الجيل الذي ظنّ أنه اندمج في الحلم الأميركي وأصبحت أميركيته هي المكون الأقوى في هويته يتحسس نفسه من جديد: من نحنُ ومن نكون...؟.

حين يحدث ذلك في الولايات المتحدة، التي تفصلها عنا مسافة حضارية هائلة، فكيف سيكون الحال في مناطق لا تمتلك أي مناعة تكبح انزلاقها نحو التصارع وتدمير الآخر، وعلى العكس فهي تمتلك مخزونًا من التاريخ والدين توظفه ساعة تشاء لاجتياح خصومها والفتك بهم. هذا يقودنا لمحاولة فهم أكثر عمقًا لمشكلة الهويات في منطقتنا وأزمتها، وتحصين السلم المجتمعي عبر استيعاب الهويات، واحترام تعددها، وتوكيد الهوية الوطنية الجامعة.