آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قِرْدٌ يُشْعِلُ فِتْنّة!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

أما الحادثة فهي خليط من التراجيديا السوداء تجتمع فيها المأساة والملهاة في قالب واحد.

الخبر الذي تناقلته أكثر وسائل الإعلام رصانة، يقول: إن قردًا يمتلكه أحد أبناء قبيلة «القذاذفة» قام بنزع الحجاب عن تلميذة في المدرسة الثانوية من قبيلة «أولاد سليمان» أثناء مرورها مع زميلاتها في الشارع التجاري في قلب المدينة حيث خدش وجهها ونزع حجابها.

وعلى الفور ثارت قبيلة «أولاد سليمان» لشرف ابنتها الذي انتهكه «قردٌ» وهجم رجالها على قبيلة «القذاذفة» ودارت رحى المعركة، التي قُتل فيها 20 شخصًا وأكثر من 50 مصابًا.. وما زالت نيران الغضب تستعر، وثمة نفوسٍ تغلي كالمرجل بالثأر وتتحفز للانتقام للضحايا الذين سقطوا، وللكرامة التي أهدرها «القرد».

في ليبيا كان الوضعُ متوترًا أصلاً، ومحتقنًا، ولم يكن ينقصه سوى عود الثقاب، وصادف أن كانت القضية تمس واحدة من أكثر المحظورات لدى العرب وهي «الشرف» المتصل بالمرأة. فأعطى لفورة الدمّ معنى مقدسًا، وطاقة روحية، وحافزًا للنخوة والتضحية.

أما «القرد» فقد قُتل!، وأما الشرف الرفيع فقد راق على جوانبه الدمُ، وأي دمٍ؟ دم الرجال والشباب والأهل. دمُ أبناء الجيرة وأبناء الوطن والدين. الدمُ الذي يؤجج الحقد والكراهية والخصومة زمنًا طويلاً، دمٌ يستدعي دمًا، وحربٌ تلد أخرى، وعلى ضفة البحر المتلاطم من الغضب: خرابٌ ودمارٌ للنفوس والعمران.

«القردُ» أخطأ، حين امتدت يده الآثمة على شرف البنت البريئة، لا جدال ولا مراء، وكان يمكن أن يؤدبه صاحبه وتنتهي القصة. لكن التمادي في الانصياع لمشاعر الغضب جعل العربي في القرن الواحد والعشرين يستعيد ما قاله العربي الجاهلي عمرو بن كلثوم في القرن الخامس الميلادي: «أَلاَ لاَ يَجْهَلَنَّ أحد عَلَيْنَا / فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا».

نعلم أن «الشرف» مفهوم متفجر لدى العربي، لكنه يصبح أكثر تدميرًا حين يختلط بوقود الآيديولوجيا والسياسة، هناك يكتسي بفعل عناصر التحريك إلى معنى ثوري، كما يحدث في صعيد مصر حيث العلاقة المتوترة بين المسلمين والأقباط، فما أن يتواصل شابٌ من هذه الجماعة مع فتاة من تلك الجماعة حتى تندلع معركة يسقط فيها شبابٌ من الطائفتين.

المأساة الليبية، يمكن أن توقظ الوعي، ويمكن أن تنعش روح العصبية أيضًا. لكن أي عاقل يتمنى الخراب وفساد البلدان لمجرد خطأ يمكن تصويبه، ويمكن تصحيحه ويمكن التراجع عنه؟!، أي عاقلٍ يترك نفسه لمشاعر الغضب وهو يعلم أنه يتهاوى إلى وادٍ سحيق يتساقط فيه كل ربح وتتراكم الخسائر تلو الخسائر.

إيقاظ الوعي يعني عزل «الخطأ» في أن يتحول إلى «خطيئة»، ومعالجته بالحكمة والصبر والتأني وسعة البال، والحدّ من الخسائر ما أمكن. والحفاظ على الممتلكات.. وهل هناك أكثر قيمة من الإنسان ومن علاقة الدين والجوار والتعايش السلمي حتى نحافظ عليه ولا نجعله تحت أقدامنا ساعة يثور الغضب؟!