آخر تحديث: 28 / 2 / 2020م - 1:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الدراما التاريخية وكواليس الطائفية

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن السعودية

تعد الدراما التاريخية التي يقدّمها الغرب لمشاهديه مادة معرفية مشوّقة، تطلع فيها شعوبهم على المسار التاريخي والانتقال من مراحل الظلامية والتعصّب الطائفي إلى مرحلة النور ونشأة دولة القانون والمواطنة المتساوية، بينما تطرح الدراما العربية إشكالية خطيرة هي في واقعها بمثابة السير في حقل من الألغام، وذلك بالولوج في تاريخ الشعوب العربية التي لم تتجاوز بعد نعراتها العنصرية، فبعد سباق القنوات الطائفية في تأجيج مشاعر الكراهية عبر برامجها الحوارية، جاء دور الدراما الطائفية التي أصبح لها كلمة الحضور الدائم في كثير من الفضائيات، فقبل عدة سنوات كانت جملة واحدة فقط كفيلة في إثارة موجات من الغضب والاحتقان لدى المسلمين الأكراد في مسلسل «أبي جعفر المنصور» ثاني خلفاء العباسيين، عندما خاطب أبا مسلم الخراساني الكردي الأصل بعد قتله: «إنما الخيانة في آبائك الكرد»!

ويستمر سيناريو الفتن الطائفية بإحياء المسلسل التاريخي« معاوية والحسن والحسين» لكون المسلسل يتعرض لأحداث تاريخية حساسة وحرجة جدا في تاريخ المسلمين، وهي موضع اختلاف وجدل شديد بين الطوائف الإسلامية، وما نتج عنه من ردود فعل كبيرة من قبل كثير من المؤسسات الإسلامية ومعاهد البحوث والنقابات حتى وصل الأمر إلى إحدى الدول التي صوتت في برلمانها لمنع المسلسل، وفي دراما أخرى لا تقل شجونا عن سابقتها تبرز كواليس الطائفية في مسلسل «عمر» حينما يُصرح المخرج بأن اللجنة القائمة على المسلسل فرضت علينا بأن يكون الممثل الذي يُجسد شخصية« عمر» مسلم سُني! ولا أعلم هل من باب المصادفة أن يُجسد شخصية «أبو جهل» مسلم من طائفة أخرى؟! لماذا هذا الفرز الطائفي؟ والأدهى من ذلك كله أن بعض المشرفين على المسلسل وكردة فعل طائفية قالوا: ماهو العيب في إنتاج دراما تصحح المسار الطائفي وخصوصا بعد النجاح المنقطع النظير للسينما الإيرانية في إنتاجها لمسلسل النبي «يوسف»؟ ليكون التنافس على أشده في «كلاسيكو» الدراما العربية لهذا العام بين طائفة تروج لمسلسل «عمر» وطائفة تروج لمسلسل «إمام الفقهاء»! والجمهور في الملعب يصرخ ويشتم ويبكي ويصفق!

قد يعترض آخر بأن التاريخ ملك للجميع لماذا لا نستعرض تاريخنا، كل المجتمعات تفخر برجالاتها؟ تمجيد القادة الكبار حق مشروع للجميع لكن المشكلة هي أن مجتمعاتنا تركز على الأمجاد والمآثر بشكل مبالغ فيه ولا توضح الأخطاء التاريخية، نعم.. لك الحرية في التمجيد بشرط ألا تبخس الآخرين حقهم التاريخي، وهنا يحصل الخلاف، إنني أعتقد بأن الاستغراق في التفاصيل التاريخية الخلافية مؤداه الاستغراق في عبارات التحريض المتبادلة، ومَنْ هو أحق مِنْ مَنْ؟ ومن هو أصلح مِنْ مَنْ؟ ما فائدة ذلك وأنا أعيش زمناً غير ذلك الزمان؟ أقصى ما يُمكنني فعله هنا هو هزّة كتف لا أكثر! فأوروبا عاشت قرنين من الزمن في حروب طاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت ولكنهم اتعظوا من التاريخ، هُم لم يتنازلوا عن تاريخهم، ولكن كان موضوع التعايش الإنساني سبباً جوهرياً لإقامة نظام اجتماعي منيع؛ لأن عنوان التعايش لديهم داخل في عُمق الهوية؟

السؤال: لماذا لم يصل خطاب التعايش لدينا إلى مستوى مماثل من القدرة على التأثير وخصوصاً ونحن نملك دينا يؤكد على التآلف والتقارب؟

الدراما العالمية اليوم هي اللغة الفنية الرائعة التي تستطيع تقديم رسائل السلام والتسامح والتعايش، وفيلم «الرسالة» العالمي الذي قاده «العقاد» هو خير دليل على ما حققه من نقلة نوعية مميزة في تاريخ السينما العربية وتعريفه بالرسالة المحمدية بعيداً عن إثارة الحساسيات المذهبية وبعيدا عن عقائد الممثلين وطوائفهم، والحق أن هذا العمل هو الذي يشعرنا بالفخر والاعتزاز.