آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاحتلال العراقي للكويت.. الحدث والدلالات

سلمان محمد العيد

تطل علينا هذه الأيام الذكرى الثالثة والعشرين على الغزو العراقي لدولة الكويت، التي كانت بمثابة «كارثة»؛ على العقل العربي، والشعور العربي، وعلى القومية العربية بشكل عام، وكانت مقدمة لجملة من الحوادث لا نزال نعايشها اليوم في العراق والخليج.

وإذا شئنا ان توصيف الحدث، وهو عمل محّرم «في الشرع، والأخلاق والأنظمة الدولية»، فقد أقدم الرئيس العراقي السابق صدام حسين التكريتي بمغامرة غزو الكويت، مستغلا فارق قوته العسكرية، على حليفه السابق في حربه المجنونة ضد ايران، «تلك الحرب التي استمرت لثمان سنوات، وراح ضحيتها كثر من مليون إنسان، عدا المعاقين والتائهين والذين لا يعلم بهم أحد».. وتلت عملية الغزو حشد عسكري من ثلاثين دولة هجمت على العراق، تم لها تحرير الكويت، ثم تلتها مطاردة النظام الحاكم والحصار عليه، ثم اسقاط حكومته، ومن ثم إعدامه.

فالحدث أولا، اعتداء من قبل دولة عربية على دولة عربية أخرى، وتشريد شعبها بين الأمصار، ونهب ثرواتها، واقتياد العشرات من الأسرى، وهذا بحد ذاته فعل غير اخلاقي،

وثانيا، كان الحدث قناة لمزيد من العسكرة في المنطقة، فالمئات من الجنود الامريكان جاؤوا الى المنطقة، بمظلة شرعية وموافقة حكومية خليجية، بهدف تحرير ارضهم المحتلة من قبل جارهم «العزيز!!»، الذي وقفوا معه طوال حربه مع ايران خلال الثمان سنوات.

وتبعا لهذا وذاك ظهرت في اوساط الأمة صراعات فكرية تدور بين الاستبداد والاستعمار، فقد استعنا بالاستعمار للتخلص من الاستبداد، فكانت النتيجة هي المزيد من الارتهان لطرف أجنبي وصار الاستقلال الوطني في عالم آخر، فالكويت بين ان تكون رهينة صدام حسين المستبد، او رهينة الاستعمار الامريكي، فلم يكن أمامها سوى الخيار الثاني، الذي جاء بطلب منها، بعكس الآخر الذي جاء بطريقة لا تختلف عن طرق الغزو في العصور الجاهلية الغابرة.. وصار حال خليجنا الفتي أشبه بــ «عبد» مخير بين سيدين، وما عليه ألا أن يختار، وما يؤسف له حقا ان هناك من الحكام العرب من كرر الخطأ نفسه، فقد ايدوا صدام حسين في غزو ايران، وهم انفسهم ايدوه في غزو الكويت مثل الملك الاردني الحسين بن طلال، والرئيس اليمني على عبد الله صالح، وبعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.. وما زاد امتنا اسفا ايضا ان الحرب التي تمت بعد احتلال الكويت عام 1990 ان العلم العراقي صار يحمل شعار «الله اكبر» وهو يحارب العلم السعودي الذي يحمل شعار «لا إله الا الله محمد رسول الله»، في معركة لا يمكن وصفها بغير «العبثية» التي قادها البعث او العبث العراقي ضد الخليجيين، الذين من جانبهم لم يجدوا حلا لتجاوز هذه الأزمة الا بالالتجاء الى طرف أقوى.

تداعيات المغامرة الصدامية

إن المغامرة الصدامية مقدمة لجملة من الحوادث لم تنته بإسقاط صدام حسين وإعدامه، بل الى حل الجيش العراقي بالكامل، وإبعاده عن المعركة مع اسرائيل، بالتالي فالتوازن الاستراتيجي بات يميل لصالح العدو في الوقت الحاضر، خاصة وان كلا من مصر والاردن ومنظمة التحرير قد خرجت جميعها المعركة باتفاقيات سلام، ولم تبق الا سوريا ولبنان في وضع «اللاسلم واللاحرب» مع اسرائيل، ولم تتورع اسرائيل ـ بعد ازمة الخليج ـ من التحرش اليومي بلبنان وسوريا. وبعد الأزمة بات مشروع السلام بين اسرائيل والعرب يأخذ طابع المفاوضات، التي دخلها الطرف العربي وهو في حال ضعيف للغاية، انتهت باتفاقيات صلح بين الاردن واسرائيل، وبين الفلسطينيين واسرائيل.. وبذلك تراجعت فكرة المواجهة والمقاومة فضلا عن الحرب مع اسرائيل.

كما انه بعد عملية الغزو العراقي للكويت، وحرب تحرير الكويت، تراجعت فكرة «الوحدة العربية» تراجعا مقيتا، بل صار في الأمة من لا يؤمن بها، ولا يقبلها، ولا يقبل الحديث حولها، فهي ـ من وجهة نظره ـ فكرة طوباوية خلقت في عالم الأحلام، وتبعا لذلك أخذ مسلسل التراجع على هذا الصعيد يوما بعد يوم، لدرجة ان هناك من يعتبر الحديث حولها نوعا من الجريمة، او الخطيئة المنكرة، وتمت الاستعاضة عنها بمشروع الدولة القطرية، والمشروع القطري، فالأمة العربية لم توجد حتى تتوحد، والجامعة العربية باتت عاجزة عن حل مشكلة بين قطرين عربيين، وتمنع الحرب بينهما، وهي عن حل مشاكل شعوبها أعجز. هذه الحقيقة كشفت خلال الأزمة، وظهرت للعيان بصورة جلية، بدليل ان حل المشكلة وفك الاشتباك بين العراق والكويت تم حله عن طريق التدخل العسكري الأجنبي، الذي لم تكن لتقوم بأي عملية ضد صدام حسين لو لم تشارك ضمن جيشها الجرار قوات عسكرية مصرية وسورية، فكانت قوات عربية تحت قيادة امريكية، لحل مشكلة عربية ـ عربية، وذلك لأن الجامعة لم تستطع ان تحل الاشكالية التي قامت وكانت مقدمات للحرب بين الطرفين، كما لم تستطع ان تحل أي مشكلة بين العرب انفسهم فالنزاع القطري ـ البحريني تم حلّه بمنظمة العدل الدولية، والخلاف السوري ـ العراقي بقي مستمرا حتى سقوط صدام حسين، والخلافات اليومية التي تنشب بين الدول العربية لم تحل إلا بطرق من الخارج،

لقد طالت العقل العربي أزمة حقيقية لم يتوقعها أحد ولم يعمل لها حسابا، إذ لم يذهب اغلب المتشائمين بواقع العرب ومستقبلهم الى اكثر من عدم اتفاق بين العرب، ولم تصل الى ذهنه ولا إلى منظومة تفكيره بأن تصل خلافات الحكام العرب الى حد ان احدهم يقوم بغزو دولة عربية أخرى فهذا لم يكن متصورا ولم يتحدث حوله أحد، وقد نقلت الصحافة الكويتية حينها ان صدام التكريتي قال لأمير الكويت المرحوم الشيخ جابر الأحمد ـ في قمة بغداد ـ بأنه سوف يقوم بزيارة مفاجئة للكويت في القريب العاجل، وقد صدق وعده، وقام بالمفاجأة، وفعل ما فعل وجعل الجميع في حيرة، ووضع نفسه وبلده في مأزق يحتاج الى عشرات السنين كي تعود العراق الى سابق عهدها.

تناقضات رد الفعل

حينما حل الغزو العراقي، وتمت عملية التحرير من قبل القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، والتي انتهت بإسقاط حكمه البعثي بعد اكثر من ثلاثين عاما من الديكتاتورية العمياء، رأينا العديد من ردات الفعل، من قبل العرب تجاه بعضهم، بعضها تحكي حالة متمكنة في الشعور، وبعضها كانت من إفرازات المغامرة الصدامية، فوجدنا في الكويت اتجاها كفر بكل ما هو عراقي، فكل شيء من العراق بات سيئا، ولا يمكن ان يكون حسنا، فلا أرض العراق حسنة، ولا شعب العراق حسن، ولا حكام العراق يملكون شيئا من الحسنات، وكأن العراق فقط وفقط هو صدام حسين التكريتي، ف لذلك وجدنا في مسرحية «سيف العرب» وغيرها من المسرحيات المشابهة ما يتضمن مثل هذا التشويش، فالعدو هو صدام التكريتي وزمرته، إلا ان الصورة السلبية، وعملية التشويش طالت الشعب العراقي، إذ تم تصويره بصورة الغابر الغبي الذي لا يملك شيئا من المدنية، وكأنه جاء من أدغال افريقيا، وربما نعذر الكويتيين على ما جرى لهم، فالشعب عانى ما عانى من الاحتلال العراقي، لكن في حين ان المسألة لا يمكن ان تقبل بهذه الصورة، فالشعب العراقي هو اكثر الشعوب اكتواء بنار البعث والعبث الناجم عنه، وإنه لا يمكن أن يؤخذ بجرم حاكمه الديكتاتور، فالصورة المشوشة ــ استمرت لوقت طويل، وصار اسم العراق مثار شؤم، حتى ان المطرب كاظم الساهر، الذي لا ناقة له ولاجمل في الأمر، ولا علاقة بالغزو ولا بالسياسة، ولا علاقة له بالحكم في العراق، يمنع من دخول الكويت لا لسبب إلا لأنه عراقي!!..

وفي المقابل ايضا هناك صورة مشوشة أخرى ظهرت لدى العديد من الشعوب العربية تجاه ابناء الخليج، فهذه الصورة تم توارثها عبر اجيال وأجيال، فالخليجي بات لدى العرب في مصر وسوريا والاردن وتونس واليمن وغيرها بأنه «برميل نفط» متحرك، وعليه بالضرورة ـ وهنا العجب العجاب ـ ان يغرف لإخوانه العرب جزءا مما يملك، فـ «نفط العرب للعرب»، ولا بد من تقاسم الثروة العربية، كما دعا صدام حسين التكريتي في نطاق حربه على الكويت والسعودية، فساهم في ترسيخ نظرة غير طبيعية موجهة للشعب الخليجي، تتمثل في أنه شعب تافه عابث لا يملك شيئا غير الثروة النفطية، هذه النظرة هي نفسها التي يملكها الغربيون عن ابناء منطقة الخليج، حيث يرون ان هذه المنطقة لا تستحق ان تكون فيها هذه الثروة، وهناك حالة من التشكيك في العدالة الالهية وتوزيعها للثروات على البشرية في الأرض. وصارت وسائل الاعلام في الدول العربية غير الخليجية تتحدث بنوع من الشماتة، حتى ان كاريكاتورا في إحدى الصحف الاردنية تضمن عبارة: «المطلوب خدّامة كويتية».. وقد لا نستغرب من هكذا ردة فعل قوية، لأن العديد من الشعوب العربية كانت ترى نماذج من الخليجيين يأتون لها بغرض السياحة، ويرون منهم البذخ والترف والصرف غير الطبيعي على الملذات، وهؤلاء القلة من الخليجيين كانوا يتعاملون بـ «فوقية» تجاه الآخرين، تنطوي على الاحتقار والاستصغار، فكانت ردة الفعل على المجتمع ككل.

إن الموقفين ظهرا خلال فترة الغزو واستمر الحديث عنهما لمدة غير محدودة.

ولعل من غرائب ردات فعل بعض الخليجيين تجاه الحدث، ان صدام حسين التكريتي الذي كان بطل العروبة، وحامي البوابة الشرقية ابان حربه على ايران «1980 ــ 1988» صار «كافرا» بعد غزوه للكويت «1990 ــ 1991»، وبات مصدر لكل الشرور، فجأة وبعد سنوات عاد هذا الكافر المارق الى عروبته، وصار مناضلا بطلا شهيدا، لا لسبب الا أن الامريكيين هم الذين اسقطوا نظامه «2003»، وان الحكومة التي جاءت بعد سقوطه قامت بإعدامه بتهمة مجزرة الدجيل، وصار اعدامه جريمة ذات بعد طائفي، وإن قتله كان جريمة ضد السنة العرب «!»، وظهرت دعوات هنا وهناك تعترض على إعدامه في يوم عيد الأضحى المبارك، وكأن لم يكن قاتلا ولا مجرما ولا غازيا، ومهما فعل فهو لا يستحق ان يعدم من قبل حاكم شيعي!

الدروس والعبر

رغم ان جريمة غزو الكويت، قد تم بحثها ودراستها من قبل العديد من الباحثين في وقتها، وبعد سنوات من الجريمة، الا ان حقيقة واحدة تكاد تكون الأساس في هذه الجريمة، وهي اننا في الوطن العربي ـ وقبل سنوات الربيع العربي ـ كان ديدننا هو السكوت عن الاستبداد، وعن الظالمين، ونقوم بموافقتهم على ظلمهم، فقد نوافق على تهور صدام حسين التكريتي ضد إيران، لمجرد انه «عربي»، وذلك الطرف «فارسي»، وقد نقبل رعونته مادامت موجهة ضد شعبه، او ضد طائفة من شعبه، وإذا تجاوز الامر نحو الطائفة الأخرى انتفخت اوداجنا وصرنا نعرف ان هذا الظالم قد تجاوز الحد.

والسبب ـ من وجهة نظري ـ يعود الى الجامعة العربية نفسها، إذ تقبل في عضويتها كل عربي يصل الى الحكم، بغض النظر عن مدى تمثيله لشعبه وأمته، ومدى رضاهم عنه، فهي جامعة الحكومات العربية لا أكثر ولا أقل. وكل قراراتها غير إلزامية، لأنها ليست مؤسسة الشعوب العربية، لذلك فكل قراراتها حبر على ورق، وجاء احد اعضائها وأعطاها جرعة مخدرة اضافية.

إننا وبعد اكثر من عشرين عاما، من الحدث نجد ان حال الأمة العربية ــ او بالأحرى حال الحكومات العربية ــ لم يتغير، بدليل وجود حالة الكيل بمكيالين، فهم الذين انتفضت أوداجهم لما حصل في الكويت ــ وهو حال شنيع بالطبع ـ لكنهم لم تنبس لهم بنت شفة تجاه ما يحصل كل يوم في لبنان وفي فلسطين من قبل اسرائيل، بعد أزمة الكويت وقبلها، ولأنهم ــ من الأصل ــ غضّوا الطرف عن جرائم صدام حسين التكريتي، ولم يتحدثوا عن ناره إلا بعد ان طالتهم وانتقلت شظاياها لهم، وألا فالمقابر الجماعية والضرب بالقنابل الكيماوية تجاه الشعب العراقي، ثم الشعب الإيراني، والعرب لم يتحركوا، ولم يتحدثوا عن جرائم البعث العراقي بحق عرب إيران سكان المناطق المجاورة للعراق في الاهواز وخرمشهر وعبادان وغيرهم.

فالسبب يعود لنا نحن العرب، بشعوبنا وجامعتنا العربية العتيدة، وحتى الاحزاب والحركات السياسية، كوننا جميعا قبلنا الاستبداد، وتغاضينا عنه، ولم تكن هناك جهة تحاسب الظالم والمستبد وتوقفه عند حده، بل ان حاكما جاء على ظهر دبابة، يتم استقباله في جامعة الدول العربية ممثلا لدولة التي اقتنصها من الحاكم الذي سبقه.