آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من يقطع رأس حيدر؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

كثير من الشعراء قُتلوا بسبب قصائدهم: المتنبي، وبشار بن برد، وطرفة ابن العبد، وغيرهم، وغيرهم، لكنهم بقوا ورحل القاتلون. لم يفنَ شاعرٌ لأن أحدهم قرر اغتياله، بالسيف أو بالإشاعة. بل منحهم الشعر حياةً جديدةً وإكسيرًا للبقاء، وعمرا ممتدا يتجدد رغم السنين، وأصبحوا شهودًا على عبقرية الكلمة وخلودها، وخطورة الرأي الذي يضعه المتنبي «قبل شجاعة الشجعان».

منذ أيام، والفضاء «السيبراني» مشغول بشاعرٍ سعودي شاب، هو: حيدر العبد الله، الذي وقف بين يدي والده «الملك سلمان» يزف إليه حبّ النخيل وعشق الجداول ونبض الأرض ومواويل البحر وحكايات الأمهات.. نظمها في باقة شعرية زاخرة المعنى مرهفة الحسّ رقيقة الحاشية، تتدلى من شفتي مواطنٍ يُعّبِر عن حبّ أهله ومواطنيه لمليكهم، وانتمائهم لهذا الوطن. ولقيت القصيدة المهداة إعجابًا وحبورًا من الملك الذي يشاطر شعبه مشاعرهم، ويتسع مجلسه لتنوعهم.

لكن حملةً ظالمةً شُنت على الشاعر، بعضها كانت تنتقد طريقته في الإلقاء، وكأن كل واحد يريد شاعرًا على شاكلته، أما البعض الآخر فهاجمه لأنه يرفضه بالجملة، وبالمطلق، ولا يسعه أن يرى أمثاله ينشدون الحبّ والولاء في مجلس الملك، بعض هؤلاء «كما في تسجيل متداول» لوح بقطع رأسه، وتلك غاية الإسفاف!

أما أسلوبه، فحسب حيدر أنه عفوي لا يتصنع، ولا يتكلف، وأسلوبه جزء من شخصيته ومن بساطته ومن «أحسائيته».. الأحساء، واحة النخيل التي يتحد فيها هوى الشعراء مع قامات النخيل الباسقات، التي تنبت الأرض فيها شعراءَ، مثلما تنبت النخيل، وحيث تجري فيها بحور القصيد، كما تجري مياه الساقية، وحيث يرتشف الأطفال في المهد حبّ الأبجدية، وموسيقى بحور الشعر، ووزن القافيات، كما يرضعون حبّ الأرض وعشق الوطن وفقه التسامح.

حيدر العبد الله هو أصغر شاعر عربي وأول شاعر سعودي يحصل على لقب وبردة أمير الشعراء بأبوظبي «عام 2015»، إضافة إلى حصوله على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ عام 2013، يقول عنه شاعر آخر من الأحساء هو جاسم الصحيح، أن موهبة حيدر العبد الله، الذي وُلِّدَ على قمَّة إبداعية عالية، ثمَّ ابتدأ بتسلُّق الفضاء إلى ما هو أعلى؛ «تكمن في قدرته على صهر مكتسباته المعرفية في تنُّور تجربته الحياتية الخاصة ليقدِّم لنا سبائك أدبيًّةً خالصةً. أما العنصر الفريد الذي يطغى على قصائده فهو عنصر الإلهام ويتجلَّى ذلك في صناعة الصورة واستلهام الرؤية واصطياد المعنى».

في قصيدة بعنوان «خرافة».. يقول الشاعر حيدر:

الخرافةْ كائنٌ حي جبانٌ

واقفٌ مثل الزرافة!

يقِظٌ ليلاً نهارًا

خائفٌ من طلقةِ الصَّيَّادِ..

من أَنْ يستطيعَ الفلسفِيُّونَ اكْتِشَافَهْ

الخُرَافَاتُ تمامًا كالزَّرَافَاتِ

لِكَي يَبْقَينَ أَحْيَاءً

مِنَ الوَاجِبِ أَنْ نَبْقَى عَلَى بُعْدِ مَسَافَة