آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 1:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قارون: سلطة المال

قارون والناصحون

بدر شبيب الشبيب *

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ «76» وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ «77» سورة القصص.

قليل هم الذين يتمكنون من اجتياز اختبار المال بنجاح. إذ غالبا ما يشكل المال وأصحاب المال المترفين عقبة في طريق التغيير، حفاظا على المعادلات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية الجائرة التي تضمن استمرار تدفق مصالحهم، وخوفا من الدخول في مغامرة المستقبل المجهول، فرأس المال جبان كما يقولون.

والقرآن الكريم يؤكد أن منطق المترفين واحد عبر التاريخ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ[1] ، فهم لا يفحصون مضمون الرسالة ولا يتأكدون من صدقها، وإنما يرفضونها من دون تثبت إبقاء للمعادلات السائدة.

والناس بسبب انغماسهم في المادة يرون في صاحبها الكمال والعظمة والشرف، ولذلك اعترض المشركون على رسول الله ﷺ، وسجل القرآن اعتراضهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[2] 

قارون هو نموذج فاقع من أولئك الذين انحرفوا عن الجادة، فلم يسخر أمواله لخدمة مجتمعه، بل وظفها للبغي والعدوان على أبناء جلدته. نصحه الناصحون فلم ينتصح، واغتر بزينته المفتتنون بالدنيا وزبرجها، فتمادى في غيه حتى حانت لحظة الحقيقة، فانتهى كل شيء كأن لم يكن.

هذا ما تحدثنا عنه الآيات المباركات من سورة القصص من الآية 76 إلى الآية 83، والتي سنقف عندها تباعا.

وقفات:

1 - كون المرء من الفئة المظلومة يجعل من اصطفافه مع الظالم وممارسته العدوان على قومه أكثر قبحا واستهجانا. هذا ما يمكن أن نستفيده من قوله ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى، إذ يظهر بشاعة فعله.

2 - قد يستظهر من قوله «مِن قَوْمِ مُوسَى»، وليس «من بني إسرائيل» أنه كان من المؤمنين به. وقد يؤيد هذا ما جاء في تفسير القمي: وَكَانَ قَارُونُ‏ مِنْهُمْ وَكَانَ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحْسَنُ صَوْتاً مِنْهُ وَكَانَ يُسَمَّى الْمَنُونَ لِحُسْنِ قِرَاءَتِهِ. [3] 

وجاء في تفسير الصافي: قيل كان ابن عمّه يصهر بن فاحث بن لاوي وكان ممّن آمن به. وفي المجمع عن الصادق : وهو ابن خالته. ولا تنافي بين الخبرين[4] .

3 - البغي بغير الحق قبيح عقلا ومحرم شرعا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ[5] ، وقوله تعالى هنا في سياق وصف سلوك قارون المذموم ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ. والبغي هو طلب تجاوز الحد والعدول عن قصد السبيل. فالظلم بغي، والفساد بغي، والخروج عن طاعة الإمام المفترض الطاعة بغي، والاستطالة على الآخرين بغي.

4 - الثروة قد تكون داعيا من دواعي البغي، وذلك حين ينسى الإنسانُ اللهَ المنعم الباسط القابض. وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة العلق: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى «6» أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى «7». قال صاحب تفسير الميزان: أي ليطغى لأنه يعتقد نفسه مستغنيا عن ربه المنعم عليه فيكفر به، وذلك أنه يشتغل بنفسه والأسباب الظاهرية التي يتوصل بها إلى مقاصده فيغفل عن ربه من غير أن يرى حاجة منه إليه تبعثه إلى ذكره وشكره على نعمه فينساه ويطغى. [6] 

5 - حين يبسط الله تعالى الرزق لأحد فليس ذلك دليل كرامته عند الله، كما إن القبض ليس دليل إهانة؛ وإنما هو ابتلاء في الحالتين، كما قال تعالى في سورة الفجر: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ «15» وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ «16». وهكذا الأمر بالنسبة لقارون الذي سقط في الابتلاء.

6 - اختلف المفسرون في تحديد معنى كلمة «مفاتح» مع اتفاقهم على أنها جمع اسم الآلة «مِفتَح»، أي آلة الفتح. وذهبوا في ذلك - حسب تتبعي - إلى ثلاثة آراء هي:

- أنها نفس المفاتيح التي مفردها مفتاح. قال بهذا أكثر المفسرين.

- أنها الخزائن. وممن قال بهذا السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره «الميزان».

- أنها أبواب الخزائن. ذهب إلى ذلك صاحب تفسير الفرقان، إذ قال: إنها «مفاتحه» جمع مفتح، وهو مكان فتح الكنز وهو بابه، والضمير المفرد الغائب راجع إلى «ما» فقد كانت أبوابها كبيرة وثقيلة لحد ﴿لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ والنوء هو النهوض بالحمل على ثقل للحامل، والعصبة من يتعصّب بعضهم لبعض متضامنين في قواتهم كرجل واحد، ولو كانت هي المفاتيح لكانت المفاتيح دون المفاتح، ولكانت تناء بالعصبة لا «تنوء» فهي - إذا - أبوابها العريضة الثقيلة التي تنهض بالعصبة أولي القوة، كما وأن باب خيبر كانت لتنوء بالعصبة ونهض الإمام علي بفتحها شخصيا دون حاجة إلى سواه! [7] 

وأيا كان الأمر، فهو تصوير لضخامة ثروة قارون الطائلة.

7 - العصبة هي الجماعة القوية يشد بعضها بعضا. أما العصبة أولو القوة، فقد فسرتها الرواية كما نقل صاحب تفسير نور الثقلين عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله حديث طويل يقول فيه : وما يكون أولوا قوة إلا عشرة آلاف‏. [8] 

8 - ينبغي تحمل المسؤولية في مواجهة البغي والبُغاة، وعدم الوقوف موقف المتفرج. هذا ما فعله عقلاء القوم حين وجهوا لقارون النصيحة والموعظة كي يرعوي عن غيه.

9 - الذين تحملوا المسؤولية بعضُ القوم، ولكن القرآن عبر عنهم ب «قومه»، ربما لأنهم الصفوة التي هي خلاصة القوم، وكأن الصامتين رقم هامشي.

10 - خمس نصائح قدمها له قومه، أولها النهي عن الفرح المعلل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وهكذا كل أمر لا يحبه الله يجب الانتهاء عنه ابتغاء حب الله تعالى.

11 - قد يتساءل البعض: وهل الفرح ممنوع؟ بل هل يمكن منع الفرح، وهو مجرد انفعال طبيعي يحصل لمناسبة معينة؟

والجواب على ذلك أن الفرح نوعان؛ مذموم ومحمود. المذموم هو الناشئ عن البطر والتكبر والاستطالة على الآخرين، كفرح قارون، والمحمود هو الناشئ عن إدراك نعمة الله وفضله ورحمته. فالأمر يدور مدار ذكر الله أو نسيانه. والآيات الكريمة تؤيد ذلك، كقوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ الأنعام: 44

﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ غافر: 75

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ يونس: 58

﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ آل عمران: 170

12 - ثاني النصائح أو المواعظ لقارون كانت: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وفيها إرشاد إلى السبيل الصحيح والطريقة السليمة للتعامل مع الثروة، إذ ينبغي أن تكون وسيلة لغاية أكبر هي «الدار الآخرة».

13 - الإتيان بكلمة «الدار الآخرة» بدل «الجنة» مثلا فيه تذكير بوجود دار أخرى تصغر أمامها كل دار بما فيها دار قارون، لأنها دار الحياة الحقيقية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت: 64

14 - ثالث النصائح: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. وهذا ما فسره الإمام علي بقوله: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة. [9]  فالدنيا مزرعة الآخرة كما ورد عن النبي المصطفى ﷺ.

15 - رابع النصائح: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. إذ ينبغي أن يقابَل الإحسان الرباني بإحسان من العبد إلى نفسه بالاقتراب من ساحة العبودية الخالصة لله تعالى، والإحسان إلى عباد الله أيضا. فالأمر كما قال الباري عز وجل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ الرحمن: 60.

16 - خامس النصائح الذهبية: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: «الفساد خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة». والنهي هنا عن مطلق الفساد في الأرض بالتكبر والتجبر والغرور والظلم والتبذير وهدر الثروة والخروج عن الجادة.

17 - طلب الإنسان للفساد، حتى وإن لم يقدر عليه، يُدخله في عداد المفسدين، ولذا يجب التوقي والابتعاد عن كل ما لا يحبه الله تعالى كالفساد والمفسدين.

[1]  سبأ 34
[2]  الزخرف 31
[3]  تفسير القمي، ج2، ص145
[4]  تفسير الصافي، ج4، ص102
[5]  الأعراف 33
[6]  تفسير الميزان، ج20، ص325
[7]  الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، ج22، ص 397
[8]  تفسير نور الثقلين «ج4 «ص138
[9]  تفسير نور الثقلين، ج4، ص139