آخر تحديث: 24 / 2 / 2020م - 1:06 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الفيض الكاشاني وأبو حامد الغزالي - 2

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

كتب الإمام الغزالي في عزلته التي امتدت لأحد عشر عاما سفره الأخلاقي التربوي الكبير «إحياء علوم الدين»، ليكون فيه أدوات العلاج والشفاء للذين ضاعت بصيرتهم فتمسكوا بقشور الدين وضيعوا لبه، فكتب في مقدمة الاحياء عن أسباب تأليفه «فأدلّة الطريق هم العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء،

وقد شغر عنهم الزمان ولم يبق إلا المترسّمون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستغواهم الطغيان، فأصبح كلّ واحد منهم بعاجل حظّه مشغوفا، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، حتّى ظلّ علم الدّين مندرسا، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا، ولقد خيّلوا إلى الخلق ألا علم إلا «علم ال» فتوى حكومة يستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهارش الطغام أو جدل يتذرّع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسّل به الواعظ إلى استدراج العوامّ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للعوامّ ومجلبة للحرام، وشبكة للحطام. فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ممّا سمّاه اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه فقها، وحكمة، وعلما، وضياء، ونورا، وهداية، ورشدا فقد أصبح من بين الخلق مطويّا، وصار نسيا منسيّا»، «ولمّا كان هذا ثلما في الدّين ملمّا، وخطبا مدلهمّا رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهمّا، إحياء لعلوم الدّين، وكشفا عن مناهج الأئمّة المتقدّمين، وإيضاحا لما هي العلوم النافعة عند النبيّين، والسلف الصالحين».

والفيض الكاشاني من مواليد عام 1007 ه ونشأ في بلدة قم وانتقل لكاشان وتوفي عام 1091 ه وعاصر مرحلة النزاع العسكري بين الدولة الصفوية والعثمانية، واندفع هذا العالم الرباني ليهيء للأمة بذات الاندفاع الذي جعل الإمام الغزالي يضع كتابه إحياء علوم الدين، فقال في مقدمة كتابه المحجة البيضاء في إحياء الأحياء «انبعث له عزمي من تحرير كتاب في تهذيب إحياء علوم الدّين من تصانيف أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسيّ ـ قدّس اللّه سرّه ـ فإنّه وإن اشتهر في الأقطار اشتهار الشمس في رابعة النهار، واشتمل من العلوم الدّينيّة المهمّة النافعة في الآخرة على ما يمكن التوصّل به إلى الفوز بالدّرجات الفاخرة، مع حسن البيان والتحرير، وجودة الترتيب والتقرير» «فرأيت أن أهذّبه تهذيبا يزيل عنه ما فيه من الوصمة والعيب» «مهما تيسّر، لأنّها كانت في غاية الجودة والإحكام» «و مثل هذا الكتاب ممّا لابدّ منه للأنام، ينتفع بتذكّر الخواصّ والعوامّ، لاسيّما في هذه الأعصار والأيّام الّتي عمّت فيها الجهالة، وفشت الضلالة». سخر الله للأمة مثل هذين العالمين ليصبح الاعتصام بحبل الله همها وغايتها.