آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 11:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

شَرُّوقراطية الغشّ

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

في حياتنا تبدو بعض القضايا المجازية مشدودة إلى ما يناظرها في الواقع وكأنّ الجاذبية الكونية بين جسمين يسبحان في الفضاء هي ذات ما يجري بين تلك القضايا ومُناظرها الواقعي، ولعل من الأمور التي يجتمع فيها المجاز مع الحقيقة في صورة واحدة ما نجده واضحاً إثر اجتماع الغش التجاري بأبيه الفساد، في انجذاب وارتباط لا نبالغ في وصف حقيقته حينما نصوره كوجه بات يأخذ المساحة الأكبر في خارطة التفكير الانتهازي الذي يتولى الطمع إدارة مؤسساته ويستولي الجشع وفقدان الوازع الأخلاقي على قناعاته وسلوكه.

وإذا هناك من يحاول أن يبيع بضاعته بطرق يجري فيها من الخداع والتحايل على بني البشر؛ ما جعل كثيرين لا يلتفتون إلا للصوت الذي تبعثه ألحان الإعلانات التجارية التي تحيل الظلام الدامس إلى نهارات مترفةٍ بالبشائر والمسرات التي تنقل حمولاتها قوافل البكسلات البصرية المليونية؛ حيث يجري مونتاج الإعلان الدعائي تجارياً في شكل سينمائي أخّاذ. فهناك من يتلقّف هذا النوع من الإنتاج ويعيد مسرحته على واقعنا التسويقي الذي يستطيل مداه وتتوسع أقبية خفاياه؛ فيتم انتهاك قيم الأمانة التي بعدها لا يجب أن نسأل أو نتساءل عن أسباب نموّ الفطريات الفاسدة في مجتمعاتنا المحافظة.

إن أشكال الغش التجاري، مع تنوع صورها وتباين ظهوراتها، تأخذ عربة التزيين والتغرير ضمن أهم أدواتها التي يجري توظيفها بصورة لم تعد صورة بائع اللبن الذي يخلطه بالماء بقادرة على تصوير ما يكتنف المشهد التجاري لدينا، وإنما تبدو محاولات أغلب من لديهم رصيد وافر في ممارسات هذا العمل الهابط على مقاييس الأخلاق والمبادئ، تتزاحم في المنافسة الترويجية الخادعة أو المضللة. والمتتبع لحملات فرق وزارة التجارة مثلاً يجد الحجم الكبير لما يكشف عنه من سلع وبضائع مثل النظارات الشمسية المقلدة بأكثر من درجة، فهناك المقلدة درجة أولى، وثانية، إلى بقية هذه التراتبية الجشعة، مع أن هناك توقعاً بأن ما يكتسح الأسواق بكل تصنيفاتها، فيه أضعاف ما يتم الكشف عنه. هذا في سلعة مثل النظارات التي تشير بعض الاستطلاعات إلى حجم الضرر الذي يمتد نتيجة تزايد أعداد المصابين بأمراض العيون. وتنضم مع هذه السلع أصناف أخرى من القوائم التي أظن أن مؤشرات وزارة التجارة بحاجة إلى تعاون إعلامي يكون لوسائل الإعلام الحديث دور مؤثر فيه.

ولا يمكن أن ينسى الجميع الواقعة الشهيرة لكميات الدجاج الفاسد الذي جرى رصده وإتلافه قبل ما يزيد على الشهر تقريباً، ومع أن ما وصل إلينا من أخبار عن هذه الواقعة لم تحمل تفاصيل في البيانات الرسمية، إلا أن الفترة القادمة قد تظهر مزيداً من التفصيل. لكن السؤال الذي يحمل بين حركاته وسكناته ألف قلق هو: هل ثمة ما يمنع أن هناك كميات أخرى تسربت من قبل، أو قد تتسرب من بعد إلى بعض أسواقنا، أو بعض مطاعمنا؟ وإن كان من الجدير أن لا ينسى دور فرق صحة الأغذية في الأمانات والبلديات التي تشرف على مثل هذه المواقع، لكن الأمر قد يؤتى على طريقة الفعل التجاري الغاشّ، الذي يجب أن يكبح جنونه وانفلاته في أسواقنا، وبين مجمعاتنا.

وأجد في تغطية جريدة «الشرق» الغراء حول واقعة في فروع بعض الشركات كانت قبل أيام تحمل ما يفتح للسؤال إعادة وزيادة، فمجمل الصورة في حملة التخفيضات التي كانت فيها من المخالفات ما تم رصده عبر فرق وزارة التجارة، لكن الأمر يتجاوز هذه المخالفات؛ إذ يمتد إلى الفضاء البروتوكولي والتنظيمي لمثل هذه الحملات، سواءً كانت وهمية أو نصف وهمية أو حقيقية، فلا يمكن إعطاء شركة تسويق ترويجاً لفترة قد تجتمع الآلاف، في مظهر لا يمكن أبداً إلا أن تكون ثمرته فوضى كبيرة، والصور التي أظهرتها بعض التقارير الصحفية فيها كثير من التساؤل عن دور الجهات ذات المسؤولية في تحقيق إدارة تحافظ على المظهر العام، وهذا يتيح فرصة أكبر لعدم توفر ثقافة تسوق يعطي للمظهر الاجتماعي حقوقه.

ومن الطريف أن في إحدى البلدان التي توفر أجهزة المحاسبة النقدية الذاتية في بعض فروع الشركات ترصد حالات لبعض أصحاب المحلات الصغيرة التي تقوم بشراء السلع من هذه الفروع، فليجأ بعضهم أيضاً إلى ممارسة بعض أنواع الغش التجاري، التي اشتهر منها استخدام ملصقات الباركود التي يقوم بعضهم بتجهيزها ولصقها، بأسعار أقل، وهذا ما وضع من تم اكتشاف ممارساتهم تحت المسؤولية، وتمت محاسبتهم بالسجن والغرامة.

وأن نبني جسراً من التغيير الإيجابي، يعني أن ننتقل من الموقع الأقل، إلى المستوى الأعلى، «قل أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير».

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.