آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 4:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

حين تصبح الثقافة ترفًا!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يذكرنا حال العالم العربي اليوم مع الثقافة، بسفينة «تايتانك» الشهيرة، ففي الوقت الذي كانت السفينة تغرق والركاب يتدافعون نحو الماء من دون أمل وسط الخوف والرجاء.. كان العازفون الموسيقيون يؤدون وصلة أخيرة، لم يلتفت إليها أحد، حتى بعد أن تحولت إلى معزوفة جنائزية تشيع الراحلين إلى المجهول، لم تزد الوضع إلا حزنا وبؤسا.

تصبح الثقافة والأدب والفكر وحتى العلم والمعرفة ترفا حين يفقد الإنسان آدميته ووجوده الإنساني، حين يصبح مشردا ولاجئا يبحث عن قارب في المحيط ينقله من الموت والجوع والدمار، لن يصطحب معه رواية أو ديوان شعر أو لحنا موسيقيا. كل الكتب ستصبح حطبا لنار يتدفأ حولها الأطفال اللاجئون في مخيمات التشرد العربي هذا الشتاء، وسيولد جيل لا يطعم بطنه وعقله أقوال الشعراء ولا أفكار الفلاسفة ولا منحوتات الفنانين.. لديه من الوجع والظلم والقهر ما يطعم الأطفال قرونا قادمة حقدا وخذلانا وخيبة أمل.

هذا الحال لم يكن غائبا عن المفكرين والمثقفين الذين عقدوا مؤتمر الفكر العربي «فكر15» في العاصمة الإماراتية أبوظبي، ورغم أنهم حملوا شعار: «التكامل العربيّ»، فإنهم ركزوا عملهم في المؤتمر وفي التقرير السنوي على تجربة مجلس التعاون الخليجي ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة بنحو خاص.

لماذا التكامل العربي؟ تجيب «فكر»: أنها اختارت «التكامل العربيّ» هدفًا استراتيجيًّا للثقافة التي تسعى إلى نشرها وترسيخها، في ضوء ما تشهده المنطقة العربيّة من مخاطر وانقسامات، وما تواجهه من تحدّيات مصيريّة تهدّد وحدتها وهوّيتها ووجودها.

قررت «فكر» هذا العام في موضوع «التكامل العربيّ»، أن تركز على دراسة صيغتين تكامليّتين متميّزتين، تُجسّدهما تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، وتجربة دولة الإمارات، وقالت إن مسوّغات هذا القرار، لأن المؤسّسة، لاحظت في ضوء متابعتها ما يُنشر من دراساتٍ وأبحاث وتقارير عن دول مجلس التعاون، أنّه غالبًا ما يتمّ التركيز فيها على ثرواتها النفطيّة، وازدهارها الاقتصاديّ، ونهضتها العمرانيّة، واستقرارها الأمنيّ، وقلّما يتمّ فيها إبراز ما تشهده من نشاطٍ ثقافي وحرَاكٍ فكريّ. ورأت أنّ المكتبة العربيّة ما زالت تفتقر إلى دراسة جامعة ووافية حول الواقع الثقافي في دول مجلس التعاون من شأنها أن ترسم لوحة متكاملة عن مبادراتها وإنجازاتها على هذا الصعيد، وما تثيره من إشكاليّات، وما تواجهه من تحدّيات، فضلاً عن آفاقها المستقبليّة.

إلا أن أحدا لا يغفل أن السبب الأهم يعود لسقوط عدد من البلدان العربية في الفوضى والخراب، الأمر الذي يجعل دراسة تجاربها في التكامل الثقافي والاقتصادي ضربا من الخيال، النموذج الخليجي نجح ليس بسبب بالمال ولا لكونه يملأ فراغا أوجده غياب الدّول التي كانت تنتج الثقافة والأدب والفن والمسرح، وإنما لأن هذه البلدان «مستقرة»، وفيها حراك نشط وفاعل.. ثم لأن فيها مالا يقيم عود المعرفة.

هنا نحن بحاجة للقبض على ما في أيدينا والتمسك بالاستقرار وسط محيط مضطرب، لكننا بحاجة أيضا إلى أن ننشر الاستقرار من حولنا، لا يمكننا أن نبقى طويلا في غابة تحترق دون أن نختنق ويشتعل بيتنا.

المفكرون والمثقفون الذين احتضنتهم «فكر»، وبينهم قادة رأي وصناع سياسات، ليس مطلوبا منهم أن يكفوا عن إشعال التوتر وإيقاد الحروب وشحن النفوس بالضغينة والحقد والكراهية، فقط، بل لا بد من العمل كفرق إطفاء لوقف هذا الاشتعال الذي وقوده الناس والحجارة، مسؤولية المثقف اليوم ليست البكاء على الإطلال ولا رثاء الواقع العربي.. مسؤوليته أن يمنع الفتنة ويشيع التسامح والسلام.