آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام علي وفكره الإنساني

علي عيسى الوباري *

يذكر الكاتب راجي أنور هيفا في كتابه «الإمام علي في الفكري المسيحي المعاصر» أن توفيق الحكيم في مسرحيته الشهيرة «محمد رسول البشر» التي طبعت عام 1936 وذكر فيها على لسان رسول الله ﷺ بعد نزول آية ﴿وَ أنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ «إن النبي عرض رسالته السماوية على جميع الناس قائلا ﷺ» ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، وبعد أن يصور الأديب «الحكيم» إحجام الحضور جميعاً عن مؤازرته ومناصرته على ذلك الأمر العظيم، يتقدم على ليقول للرسول الكريم ﷺ بصوت عربي مبين: «أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت». وذكرتها الباحثة كارين ارمسترونغ في كتابها «الإسلام في مرآة الغرب» أن الرسول الكريم ﷺ قد أعلن أن الإمام علياً هو الوصي والوالي على كل المسلمين منذ انبثاق الخيوط الأولى لفجر الرسالة الإسلامية وذلك في ما يعرف تاريخياً ببيعة الدار حيث عرض الرسول الكريم ﷺ الحادثة السابقة.

أن يعيش إنسانا يختزل الزمن والمكان بفكره، أن يحتاجه العالم في منهج الحياة في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية وكل الأمور الحياتية فهذا إنسان سبق عصره وبقي الزمن يلاحقه ليتزود من معين أفكاره، وتواكب أرائه العصر ولا تذبل أفكاره مع مرور الزمن بل يجد المفكرون في كلامه وبيانه حلولا لمعضلات العصر ويبقى نهج البلاغة نبراسا وإشعاعا فكريا لكل قضايا العصر يستظل بحبره الأدباء وينهل من منبعه المتدفق المفكرون، هذه مسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التاريخية الذي شرع قانون الحرية والعدالة الإنسانية يقول لمالك الاشتر ـ إن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ـ هذه العبارة التي سبقت بمعناها الكبير كل جهود فقهاء القانون والحقوق لأنها من علم رباني، عبارة الإمام علي ع لمالك الاشتر عن الحقوق والواجبات التي جعلت من الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي يصعق بعبارة قبل 1400 سنة تجسد النظرة العادلة الإنسانية التي لا تفرق بين شخص عن آخر بدين أو مذهب أو عرق إنما نظرة واحدة في التعامل الإنســـاني حتى انـــــــه «كوفي عنان» قال في التقرير الذي يضم 160 صفحة أنها عبارة تستحق أن تعلق على كل المنظمات الإنسانية وحقوق الإنسان وأن تنشدها البشرية وطلب التصويت عليها من قبل الدول وصوتت عليها لأنها عبارة إنسانية تجسد معاني الحقوق الإنسانية وتترجم معاني العدالة ويستمد منها القانون في حكمه على الإنسان في أي نظام دولي.

الإمام علي بن أبي طالب ذاب في معانية الإنسانية كل من قرأه من مفكرين وقانونيين كما غلوا فيه الكثير ممن عاشوا معه لكثرة ما يحمل من علم وهو القائل «سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول ﷺ هذا ما زقني رسول الله ﷺ زقاً فاسألوني فإن عندي علم الأولين والآخرين» ولم يقلها من فراغ فهو الإمام الذي أحاط بكل شي في أمور الحياة بكل فروعها، وبالرغم من قصر حكم الإمام علي سياسيا كحكم فعلي ألا إن تجربته مليئة بحوادث العدالة والنماذج السياسية، فرض عليه الواقع معالجة بالقضايا الداخلية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبناء المسلم بناءً داخليا يواجه المصاعب والمخاطر الفكرية.

يقدم لنا نموذج العدالة مع الخوارج فقد نص على حقوق مخالفيه وإعطائهم إياها بشكل مقنن مع أنهم يكفرونه بشكل علني ويقولون بأن نظامه غير شرعي حيث قال : «لهم علينا أن لا نمنعهم مساجد الله، ولا نمنعهم الفيء، وأن لا نبدأهم بقتال» اختزلت هذه العبارة العقد الاجتماعي والسياسي.

المتربصون به وبحكمه كثر فاشغلوه بفتن وحروب حتى يختصرون فترة حكمه وهذه النقطة يجب ملاحظتها في حكم الإمام علي شغل بثلاث حروب دفاعية، ولنا أن نتصور الإعداد للحروب، كم من الوقت يستغرق في حكمه القصير المملوءة بالفتن المفتعلة، الغني في تجربته العادلة المثالية، لكن لعل الأغلب من الناس جلب للانحياز وراء المصالح الدنيوية الملموسة في أيدي الظلمة والمستغلين وبالتالي استغلوا الضعفاء وحاربوا الإمام علي بهؤلاء. ولولا سيف ابن ملجم لبقي أمير المؤمنين بحكمه السياسي لعاش أنموذجا تتزود منه البشرية ومن معانيه الإنسانية والكونية التي ببلاغته وقوة بيانه ابرز العبارات التي تعكس علمه الرباني ومن أراد أن يسبر أغوار الإنسان والمجتمع ويحلل الشخصيات والأمم وفليقرا نهج البلاغة، إن فترة حكمه القصير لم يمنع الأمم والشعوب من التزود من معينه الإنساني الذي لا ينضب وكمال أخلاقه، ومنها ما ضربه أروع الأمثلة مع اليهودي في ادعائه ملكية الدرع الذي جعـــــله يســــــلم «اليهودي» بكمال أخلاقه وصفاته الإنسانية ويمكن الاستفادة من هذه استقلالية القضاء والتساوي إمام القاضي بين المدعي والمدعى عليه حتى لو كان حاكما والطرف الأخر محكوما من ديانة أخرى.

عندما ينظر الإمام علي للإنسان ينظر إليه من منظور حرية كل إنسان وإن لا فرق بينهما: «أيها الناس إن ادم لم يلد عبدا ولا امة وان الناس كلهم أحرار..»، في عهد أمير المؤمنين ابرز نظام ما يسمى في العصر الحديث بنظام التقاعد لأي فرد ما دام يعيش في الوسط الإسلامي عندما سال «ما هذا» ولم يقل من هذا وهذا إشارة كما يقول بعض المحللين على استنكاره للموقف ولم يسال عن الشخص لأنه سأل عن مبدأ وموقف، يقول مستغربا ما هذا؟ فردوا: يا أمير الالنقطة، نه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف فقال الإمام «ما أنصفتموه استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، اجروا له من بيت المال راتباً».

من إنسانية فكره إن الكثير من المفكرين الإسلاميين والمسيحيين تزودوا من منهجه وأقواله في نهج البلاغة وحياته الذي عاش خلق القرآن كما يذكر المفكر المسيحي نصري سلهب الذائب في شخصية الإمام علي «أن سماحة علي ورحمته هي وليدة الرحمة القرآنية التي ترسم في مقدمة كل سورة قرآنية بالقول الخالد: «بسم الله الرحمن الرحيم» والتي تدل على عمق الرحمة الإلهية التي تتسع لكل الوجود ومن فكره الكوني والإنساني، ويذكر الكاتب راجي أنور عن نصري سلهب هذه العبارة:» علي من أولئك البشر الذين كتب عليهم أن يموتوا لتحيا، بموتهم، شعوب وأمم. وأعداء علي من أولئك النفر الذين آثروا الحياة على الموت فأماتوا، بحياتهم، كل إباء وشمم "..

المفكر الأمريكي والأديب امرسون الذي يعتبر الأب الروحي لعملية استقلال أمريكا عن بريطانيا العظمى في مقال له «الذات الحق» فقد كان متأثرا بأقوال ومبادئ وقيم ومنهج أمير المؤمنين الفكرية.

الكاتب المعاصر «يان ريشار» يقول «والحق إن المسلمين، يتخذون من علي نموذجاً، حتى في القرن العشرين، لا يزال أمثل صورة للنظام الإسلامي السياسي». الإمام علي بفكره الاقتصادي يعالج القضايا الاقتصادية التي تعتبر المشكلة الأكبر في عصرنا الحديث وهو القائل «لو لا عهد اللّه وميثاقه على العلماء أن لا يسكتوا عن التفاوت الفاحش بين الناس في لقمة العيش بحيث يتخم البعض، ويموت البعض الآخر جوعا لما جاهد، وفي خطبة ثانية: اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة اللّه كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق اللّه وفرا»، الإمام علي هو من قال وطبق: «فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس اعظام لنفسي، فانه من استثقل الحق ان يقال له او العدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما اثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق او مشورة بعدل».

اخيرا ينقل الكاتب هيفا عن روكس بن زايد العزيزي «يقيناً، إن كل مثقف عربي، كل كاتب عربي، كل شاعر عربي، كل خطيب عربي مدين للإمام علي... وانطلاقاً من هذه النقطة، فنحن لا نعد كاتباً أو أديباً عربياً مثقفاً عربية أصيلة إن لم يقرأ القرآن ونهج البلاغة قراءات عميقة متواصلة».

رئيس جمعية المنصورة الخيرية وعضو جمعية الإدارة السعودية