آخر تحديث: 23 / 8 / 2019م - 3:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المناسبة الإنسانية.. غياب الصّفة وحضور الموصوف

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

هذا اليوم العشرون من كانون الأول يحمل اسم «اليوم الدولي للتضامن الإنساني»، ضمن أجندة المناسبات العالمية لمنظمة الأمم المتحدة. وهو كما تشير خلفيات المناسبة في تبويب المناسبات داخل الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، يوم يهدف إلى تعزيز ثقافة التضامن الإنساني وتقوية روح المشاركة لمعالجة الفقر في العالم…

مَن أنت؟

- إنسان

هذا هروب من السؤال.

- لماذا، ألستُ إنساناً؟

هناك بلايين البشر، ولكنني أريد أن أعرف من أنت؟

- أنا أحدهم.

هذا لا يكفي، قل لي من أنت؟

- سأجيبك عندما أتوصل إلى الإجابة. مرات عديدة تصورت أنني أعرف من أنا، ومرات عديدة فوجئت أنني لا أعرف أنني لا أزال أبحث عن نفسي في نفسي.

- ماذا تريد أن تعرف عن نفسك؟

- أريد أن أعرف مثلاً مدى أنانيتي. أعرف بالتأكيد أنني أناني.. ولكن يهمني أن أعرف حدود هذه الأنانية.

كان هذا الحوار بداية حوارية طويلة كتبها الراحل الكبير الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، تحت عنوان: «حوار مع نفسي»، وتضمنت رسائل إنسانية تبين الفارق بين الشارة التي يحملها الكائن البشري التي تجعل لقب إنسان مطّرداً مع كلّ آدميّ وبين حقيقة المحتوى الإنساني ومدى توفر الحقيقة الإنسانية داخل هذا البشريّ الذي تخاطبه مقولة أحد الحكماء: «لا يكن ما تلبسه أثمنَ ما فيك».

أولى حلقات السؤال عن حضور الإنسانية لا تتخطى أهداف الحوارية القصيبية، بل وتتبعها حذو القذّة بالقذّة، وهذا لأن شعار الإنسانية هو حديث لا ينتهي ويمتد مع كل دورة زمانية في أغلب المجتمعات. لكن الأهم هو حقيقة تجلّ الشعار ذاته، فهل هو حاضر فعلاً، أم أن هذا الشعار صار بضاعة رائجة يتم رفعها وتوظيف بريقها شكلانيّاً، بينما يغيب بياض المفهوم بين وقائع ما يمر به الإنسان إثر استغلال عالمي، تكون نتيجته الأخيرة الطحن بين أطماع الرساميل في الشرق والغرب.

هذا اليوم العشرون من كانون الأول يحمل اسم «اليوم الدولي للتضامن الإنساني»، ضمن أجندة المناسبات العالمية لمنظمة الأمم المتحدة. وهو كما تشير خلفيات المناسبة في تبويب المناسبات داخل الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، يوم يهدف إلى تعزيز ثقافة التضامن الإنساني وتقوية روح المشاركة لمعالجة الفقر في العالم.

وفيما يمثل خط الفقر أدنى مستوى من الدخل يحتاجه الإنسان حتى يكون بالإمكان أن يعيش، فإن الفقر المدقع هو مستوى العجز الكامل عن توفير تكاليف العيش الدنيا، وبصورة أوضح، فإن من يعيشون تحت خط الفقر، يصنفون بأنهم يمرون بفقر مدقع. وإذا علمنا أن خط الفقر لدى صندوق النقد الدولي كان ما يعادل دولاراً أمريكيّاً للفرد في اليوم الواحد، لكن الصندوق نفسه أجرى تعديلاً في عام 2008 ورفع هذا الخط إلى 1.25 دولار ثم رفعه مرة أخرى في عام 2011 ليصل إلى 1.90 للفرد في اليوم الواحد. وما دام الحديث عن صندوق النقد الدولي الذي ينطبق عليه عبارة الشاعر: «فأنت الخصمُ والحكمُ»، ينظر إليه بعضهم من طرف غير خفي بكونه يتحمل نسبة في عدم معالجة مشكلة الفقر في العالم بسبب فوائد قروضه وآليتها، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية الأخرى. وتفاقم الحروب والصراع والكوارث الطبيعية وضعف البنية التحتية الزراعية والاستغلال المفرط في البيئة أدى إلى ارتفاع نسبة الفقراء والمعوزين على امتداد الخريطة الجغرافية الطبيعية في العالم. وكمثال، ارتفع عدد من يكابدون حالات العيش تحت خط الفقر في إفريقيا بصورة واسعة، بين أعوام 1990 حتى 2012، مع أنّ هناك تحسناً طفيفاً في بعض بلدانها.

ومع أن تقرير صندوق النقد الدولي، كان يشير إلى أن نسبة الفقراء في العالم سيكون في 2015 أقل 10 %، إلا أنه لا يوجد أي إشارة توضح الوضع الحالي في 2016، مع أن الصندوق نفسه، يحلم في رؤيته أن لا يكون هناك من يعيش تحت خط الفقر في عام 2030.

هنا نتساءل هل إنسانية الشعار كفيلة بالوصول إلى التضامن الفعلي مع الإنسان في العالم؟.. هذا السؤال بحاجة إلى جهود وخطط تصنع الخير والسلام والرفاهية للإنسان؛ ليكون للمناسبة طعم سائغ ومحتوىً قيميّ.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.