آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 12:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اعوجاج سُلَّم القِيَم!

حسن السبع صحيفة اليوم

أختتم مقالات هذا الشهر الكريم بوقفةٍ «رومانسيةٍ» أخيرة. أما لماذا هي رومانسية، فذلك لأنه «لا شيء يثير ضحك الآخرين، هذه الأيام، مثل حديثك عن الأخلاق» كما يعبّر أحدهم متهكما. سأستهلُّ هذه الوقفة بقول الشاعر:» ما أقبحَ التزهيدَ من واعظٍ/ يزهّدُ الناسَ ولا يزهدُ». وتلك مصيبة أخلاقية عظيمة. غير أن التاريخ، قديمه وحديثه، قد جاد بشخصيات أخرى تماثل أفعالُها الأقوال؛ شخصيات نَذَرَتْ نفسَها للنزاهة والصدق، وخدمة الحق والحقيقة. مع ذلك، بقي صوتها «صيحة في واد، ونفخة في رماد».. فكل الحجج والبراهين تتحطم على صخرة الهوى والمكابرة.

يقال إن «الأذن بوَّابة القلب». لكنه قول لا يعبِّر عن حال أولئك الذين في آذانهم وَقْر. ففي تلك الحال الميئوس منها، يبقى القلب بابا موصدا، وسجنا معتما.. «وقد أسْمعْتَ لو ناديتَ حيَّاً/ ولكنْ لا حياة لمن تنادي». ذلك هو صمم الضمائر الناتج عن غلبة الأهواء والمصالح، في زمنٍ كلُّ شيء فيه بِرَسْم البيع. إزاء تلك المصالح، يعوجّ سُلّم القِيَم. وإذا تنافست المصالح والمبادئ، فإن المصالح غالبا ما تنتصر إذا ما اختار الساعون إليها تحقيقَها دون اعتبار لأخلاقية الوسيلة.

في غياب الوازع الأخلاقي يصبح العالم غابة يسودها منطق لا يختلف عن المنطق الجائر للذئب في هذه الحكاية: «رأى الذئبُ الحملَ يشرب من النهر، فبحث عن ذريعة ليأكله. كان الذئب يقف أعلى مجرى النهر، ومع ذلك اتهم الحملَ بتعكير الماء. فأجاب الحمل بأنه لا يشرب إلا بطرف لسانه، وأنه يقف أسفل النهر، فكيف يمكنه تعكير الماء؟. وعندما رأى الذئب أن التوفيق قد خانه، قال: «حسنا.. سمعتك العام الماضي تسب والدي». فأجاب الحمل قائلا: «إنني لم أكن قد وُلِدْتُ بعد!» قال الذئب: «إنك بارع في البحث عن ردود، ولكني سوف آكلك على كل حال»!

عندما قال الشاعر أحمد شوقي: «وإذا أُصِيبَ القومُ في أخلاقهم/ فأقِمْ عليهم مأتماً وعويلا»! كان يعني أن الموت الحقيقي الذي ينبغي أن تقام له المآتم هو موت الأخلاق. ذلك أنه يترتب على تلك «الإصابة» إصابات في منظومة القيم والفضائل، كالصدق والعدالة والوفاء والمروءة والنزاهة.. والقائمة تطول.

يُذكّر الأديب الإنجليزي ديفيد هربرت لورنس السَّاسةَ بشكل خاص بأن «الأخلاق ومبادئ العدالة لا تتغير بتغير أيام التقويم»! والعبارة اعتراض صارخ على ازدواجية المعايير، وتلوّن المواقف تبعا لتغير المصالح والظروف والأحوال. وفي حديثه عن اعوجاج سُلَّم القِيم، وفقدان الصِّدقِيّة الخُلُقية، يقترح أمين معلوف في كتابه «اختلال العالم» قائلا: «على تقدمنا الخُلُقي أن يتسارع كثيرا، عليه أن يرتفع عاجلا إلى مستوى تطورنا التكنولوجي، وهذا يستلزم ثورة حقيقية في السلوكيات».

تشكل الأخلاق، لمن لم يصابوا في أخلاقهم، وازعاً قويا يحميهم من الانزلاق إلى الهاوية، فهي البوصلة التي تشير إلى بر الأمان، وقد عبر الفيلسوف «إمانويل كانط» عن أهمية الوازع الأخلاقي بقوله: «يعتبر المرء مذنبا، أمام القانون، إذا اعتدى على حقوق الآخرين، ويعتبر مذنبا، بالمعايير الأخلاقية، إذا فكَّر «مجرد تفكير» في الاعتداء على حقوق الآخرين»! لذلك سيكون العالم أكثر استقرارا وأمنا ورخاء حين يصبح الوازع الأخلاقي أقوى تأثيرا من سلطة القوانين. غير أن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة، فالقاعدة تقول: من أمِنَ العقوبةَ أساء الأدب! كل عام وأنتم، أيها الأصدقاء، بخير.